رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


اللزوم. انتزعت غطائها وأفرغت محتوياتها على رأسها فابتلت ثيابها ثم أمسكت بولاعة تستخدمها ونيسة في إشعال البوتجاز مھددة بها
طالما مش مصدقني يبقى المۏت أريح.
لطمت خالتها على خدها صاړخة في دهشة مذعورة
يا لهوي إنتي بتعملي إيه
حوشها
يا تميم!
لم تهتز له شعرة وأشاح بعينيه بعيدا عنها غير مصدق لعرضها المبتذل تكاد ترف ابتسامة مستهجنة على زاوية فمه من شدة استنكاره لأسلوبها الرخيص في الاستحواذ على شفقته. رأت خلود انصراف نظراته عنها فوخز ذلك قلبها وقالت بمرارة وذل
المۏت أهونلي من إنك تسبني ولا تبعد عني.
تحرك بدير نحوها يرجوها بشدة
اغزي الشيطان يا خلود ماينفعش كده.
تجاهلته رغم حبها لعطفه الأبوي وقالت موجهة حديثها لزوجها الذي تحجرت مشاعره من ناحيتها
إنت ظلمتني يا تميم..
دمدم بغيظ دون أن ينظر في اتجاهه
إنتي اللي ظلمتي نفسك.
خلاص بس إنت السبب في مۏتي وزي ما أبويا اتحرق زمان قصاد عينك ومعرفتش تعمله حاجة فأنا هاحصله ومعايا ابننا.
استدار تميم برأسه ناحيتها ليجدها بالفعل على وشك إضرام الڼار في جسدها المشبع بالكيروسين رأى والدته تقف على بعد خطوة منها تحاول إثنائها عن رأيه بالتوسل وعيناها تبكيان
حرام عليكي ھتموتي نفسك
أجابتها بوجه اربد بمزيد من الحمرة المنفعلة
محدش عايزني وهو السبب.
أراد تميم إيقاف تلك المهزلة الرخيصة ليس حرصا منه على حياتها وإنما لكشف حقيقتها أمام الأقرب إليه فعلى ما يبدو قد انخدعوا بتمثيلها البارع فيما عدا جده الذي ظل صامتا لم ينبس بكلمة وراقب جيدا ما يدور وكأنه سيعيد سرده على الآخرين. اندفع نحوها يأمرها
إياكي تفكري تعمليها إنتي مش ملك نفسك!
كان لتأثير كلامه عليها وقعا عظيما تجمدت عيناها عليه تركته ينتزع الولاعة من يدها وثبتت كامل نظراتها على وجهه وهي لا تصدق أنها بالكاد استعادته تطلع إليها تميم بعينين قاتمتين لا تظهر حبا ولا تعاطفا معها ومع ذلك كانت كافية لإقناعها بأنه عاد إلى أحضانها ارتمت على صدره ومرغت رأسها في كتفه تبكي وهي تقول له
أنا بأحبك ومش هاستحمل تبعد عني.
أبعدها عن أحضانه وكأن عقربة لدغته لينظر إلى وجهها المفضوح قائلا بلهجة خشنة
إنتي هاتفضلي هنا بس أمك هحاسبها على اللي قالته..
ردت بنزق
اللي إنت عاوزه أعمله أنا كلي ملك.
تابع محذرا إياها بقساوة
وإياكي تفكري ټأذي اللي في بطنك لأني مش هارحمك.
رفرفت بعينيها قائلة بخنوع
حاضر يا حبيبي.
شعر بالحنق منها بالطبع سيستغرق الأمر وقتا لكشف حقيقتها لكنه سيتخلص منها في الأكيد عليه فقط أن يرجئ مؤقتا وضع الأمور في نصابها الصحيح حتى يكون رده قويا وموجعا .. الوحيد الذي أدرك ما يفكر فيه تميم كان سلطان لاح على ثغره بسمة استخفاف لم ينطق بحرف وانسحب عائدا إلى غرفته متوقعا تصعيد الأمور في وقت قريب.
..............................................................
الأيام مضت سريعة عليها كأنها في سباق مع الزمن ليأتي يوم الزفاف الموعود بعد مشقة وعناء. تم إعداد كل شيء ووضعت اللمسات الأخيرة في منزل الزوجية ليستقبل العروسين بعد انتهاء حفل عرسهما وكذلك تم دعوة الكثير من المعارف والأقرباء للحضور في السرادق الكبير المقام عند منزل عائلة سلطان. وطوال تلك الفترة الماضية لم تذهب فيروزة مع توأمتها لتوضيب منزلها تجنبت على قدر المستطاع الالتقاء ب هيثم ما زالت تحتفظ بذكرياتها الأليمة معه فيما يخص تسببه في اندلاع الحريق لم ترغب أن تلاحظ همسة توترها وربما عزوفها عن الحديث معه وإلا لساورتها الشكوك بشأنها. كما أن الأخير لسبب معلوم لأغلب من بالمنطقة تشاجر مع ابن خالته وعلى ما يبدو حدثت قطيعة بينهما بالرغم من تواجدهما معا بالدكان فقط لتبديد الشائعات التي تم تداولها بشأن اعتداء تميم على زوجته ومع هذا لم يتعاونا معا.
زغرودة فرحة عالية انطلقت من جوف آمنة تبعتها
بأخرى صاخبة والمصففة تضع الطرحة فوق رأس العروس التي تزينت في أبهى الأثواب لتفتن عريسها وتسلب لبه بمجرد أن يتطلع إليها. كان ثوب همسة منفوشا له فتحة صدر مثلثة لكنها لا تتخطى مسافة شبر من بداية عنقها بدت محافظة نوعا ما وأكمامه من قماش الدانتيل بنقوشاته الناعمة. لم تترك شعرها منسدلا عقدته في تصميم جديلة بشكل معكوس دون أن يتحدد لها بداية أو نهاية ووضعت الطرحة أعلاها بعد تثبيت التاج الرقيق بها. انحنت فيروزة على أذن شقيقتها اليمنى لتضع لها القرط المرصع بفصوصه اللامعة قبل أن تنتقل للأذن الأخرى حملقت فيها قائلة بإعجاب وهي تضغط على كتفها برفق
ماشاء الله زي القمر.
رفعت يدها لتتلمس يدها الموضوعة على كتفها وقالت مجاملة
حبيبتي يا فيرو.
تمتمت والدتهما بالدعاء وهي تلقي نظرة على ابنتيها
ربنا يتمملك على خير يا بنتي ويكفيكي شړ العين وعقبال لما أفرح بيكي يا فيروزة.
ردت بتكلف
يا رب
تقدمت فيروزة خطوة نحو المرآة لتضبط مشبك رأسها والذي اتخذ رسمة الطاووس المزركش ثبتته في الجانب جيدا لكونه ينزلق من خصلات شعرها ويضيع دون أن تعرف أين وكيف. تلك المرة اختارت أيضا أن ترتدي ثوبا من اللون الفيروزي المشوق ليشبه اسمها فتحة صدره دائرية أبرزت عظام الترقوة وحتى لا ينال منها البرد ليلا اختارت أن تلف حول عنقها شالا قصيرا من الحرير لونه درجة داكنة للون الفيروزي. استدارت نحو زوجة خالها التي اقټحمت الغرفة تطالعها بنظرات حادة حين بادرت بالقول
قوليلي بت يا همسة..
أجابت عليها العروس بهدوء
خير يا مرات خالي
هو صحيح هيثم اتصالح مع المعلم تميم
ردت على مضض وقد بدا الانزعاج واضحا على تعبيراتها
معرفش.
سألتها بتطفل أكبر
هو مش بيكلمك كل يوم يعني أكيد فضفض معاكي بكلمة كده ولا كده!
علقت همسة مصححة لها
أه بنتكلم بس مش بنجيب في سيرته.
زمت حمدية شفتيها مرددة بتذمر
ده أنا قولت رجعوا سمنة على عسل من تاني والحياة بقت وردي بينهم..
لم يكن حديثها بالمثير لتتابعه فيروزة لكن زوجة خالها أصرت على إفراغ ما في جعبتها وقالت متنمرة على خلود تحديدا
أصل بعد الڤضيحة إياها أخته كانت لازقلنا في كل حاجة كنا بنعملها في الشقة ياباي دي سمجة بشكل حاشرة مناخيرها في كل حاجة تقولش بتفتش ورانا!
بمنطقية أوضحت لها همسة
طبيعي تعمل كده طالما أعدة في بيت حماها اللي هو تحتنا هنلاقيها موجودة معانا.
علقت حمدية بسخافة
أهي بوزها شبرين وبومة!
نظرت لها فيروزة شزرا قبل أن تتجه نحو حقيبة يدها الصغيرة حيث انتبهت لرنين هاتفها المحمول بها أخرجته منها وتطلعت إلى شاشته كانت المتصلة رفيقتها أجابت عليها بتنهيدة متعبة قليلا
أيوه يا علا إنتو وصلتوا ولا إيه
أتاها صوتها قائلا بحماس
احنا واقفين تحت بيتك وهنبقى معاكي في زفة العربيات.
ردت بابتسامة صغيرة
طب كويس.
سألتها همسة باهتمام
هي علا جت
أجابت دون أن تنظر ناحيتها
ايوه
ثم اتجهت تلقائيا نحو النافذة لتنظر إليها رأتها في ثوبها الذهبي البراق تشير لها بيدها وباليد الأخرى ترفع طرفه حتى لا تتعثر به. رفعت فيروزة ذراعها لتلوح لها به ولكنها تفاجأت بظهور آسر من خلفها ويلوح لها أيضا بابتسامته اللبقة المزيفة ربكة حرجة اجتاحتها لحضوره فأخفضت يدها على الفور خشيت أن يظن أنها ترحب به أيضا وقد توقعت لآخر وقت عدم قدومه لكنه صدمها بمجيئته. أبعدت عينيها عنهما وحركتهما في اتجاه السيارة الأخرى المزدانة بأشرطة الزينة البيضاء رأت باقة من الورد على مقدمتها وهتفت بعفوية
باين العريس جه كمان!
جلبة خفيفة تصاعدت من ورائها استعدادا
لاستقبال هيثم ومع ذلك بقيت فيروزة في مكانها عند النافذة تحدق منها بفتور. كان كل شيء مثاليا وهي تواصل تأملها لما يوجد بالأسفل إلى أن توقفت نظراتها على صاحب زوج الأعين الغاضبة المستند على جانب السيارة كان يتطلع إليها بنظرات طويلة مليئة بالحنق على ما يبدو رأى ما فعلته قبل قليل خلال ترحيبها برفيقتها. نظراته لم تكن بالعادية بل كانت قاسېة نافذة موترة وكأنه يدينها
الفصل السابع والأربعون
ضاقت عيناها نحوه بشكل غريب حائر استاءت من نظراته المليئة بالڠضب وتحفزت بشكل ما ضدها وكأنها ارتكبت جرما في حقه. تجهمت تعبيراتها قليلا فإن كانت تلك وسيلته لإرهابها حتى تعترف له بأنها من كانت معه في الحريق المشؤوم فلن يحدث أبدا! ليست فيروزة من ذاك النوع الخائڤ المرتعد استقامت في وقفتها لم يرف جفناها وبادلته نظرة متغطرسة تنم عن شخصيتها القوية قبل أن تتراجع لتختفي بالداخل لكن بقيت دقات قلبها تنبض في عڼف لم تفهم سبب توترها وأرغمت نفسها على تجاوز لقائه العابر. عادت لتبتسم بتكلف وهي ترى زوجة خالها تحملق فيها بفضول ركزت عينيها عليها ثم سألتها بأسلوبها الجاف
خير يا مرات خالي
أجابتها متسائلة بسخافة
أومال فين الشبكة ولا العروسة مش هتلبسها النهاردة كمان
ضغطت فيروزة على شفتيها بقوة مانعة نفسها من التفوه بحماقة حتى لا تفسد الأجواء المبهجة بينما تابعت حمدية بنوع من العجرفة
ده كل العيلة هنا النهاردة عاوزين نتمنظر قصادهم ولا رأيك إيه يا آمنة
التفتت والدتها نحوها تسألها في حيرة
رأيي في إيه
أجابت حمدية موضحة بعبوس مزعوج
الشبكة يا أم العروسة هتخلي رقبة بنتك وإيديها فاضيين عاوزة الناس تاكل وشنا
تداركت آمنة خطئها وقالت على الفور
معاكي حق راح من بالي خالص.
ثم اقتربت من فيروزة تقول لها بجدية
علبة الشبكة يا فيرو في الدولاب إنتي عارفة مكانها هاتيها
ردت عليها بتبرم قبل أن تتحرك نحو الخارج
ماشي
سددت فيروزة في طريقها نظرة سريعة حادة نحو حمدية التي بدت أكثر استمتاعا بسيطرتها على والدتها الطيبة ومنحتها الأخيرة نظرات مغترة وهي تربت على كتفها تستحثها
ماتتأخريش يا أخت العروسة.
كزت فيروزة على أسنانها تنعتها بهمهمة خاڤتة
حشرية!
ارتفع الصخب من جديد في أرجاء المنزل الذي عج بالكثير من الأقارب خاصة السيدات والفتيات والأطفال الصغار ولولا بعض المساعدات العائلية من نساء عائلتها لما تمكنت فيروزة أو والدتها من التعامل مع الحشد المتواجد في الصالة والردهة المؤدية لغرفة نومهما. دنت إحدى السيدات ذات الوجه البشوش من فيروزة ما إن لمحتها تمر بجوارها ونادت عليها بنبرتها الحنون
بنت الغالي.
التفتت برأسها نحوها تحولت ملامحها للين والابتهاج حين رأت زوجة عمها السمحة سعاد أو كما تحب أن يدعوها الجميع أم فضل نسبة لابنها البكري. أقبلت عليها مرحبة بها فقد وصلت للتو
مرات عمي إزيك وحشاني أوي
بادلتها الترحاب الحار واحتضنتها بشدة ثم قالت
حبيبة قلبي من جوا.
تراجعت عنها فيروزة لتسألها باهتمام
حمدلله على السلامة وصلتي امتى وفين بنات عمي
أجابتها بتنهيدة بطيئة نسبيا
الله يسلمك.. الدور ده أنا جاية بس مع عمك لكن تتعوض إن شاءالله ليلة فرحك نكون عملنا حسابنا من بدري.
ردت بنفس ابتسامتها المسرورة
إن شاءالله.. ده ماما هتفرح أوي لما تشوفك.
علقت عليها بابتهاج
وأنا والله هو في زي آمنة وحلاوتها أومال بناتها طالعين قمرات لمين!
ابتسمت في سعادة لكلماتها المادحة وشكرتها بلطف
ربنا يخليكي لينا يا مرات عمي وأخبار فضل إيه
جاوبت بحماس انعكس في نظراتها أيضا
الحمدلله أجزته قربت هينزل كمان شهرين.
عادت لتسألها عن أحواله مبدية اهتمامها بتبادل الحديث معها
ربنا يجيبه بالسلامة ومراته وعياله كويسين
ردت وهي