رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


دي نصيحة لله.
رد عليه ابن خالته بنفس النبرة الغاضبة
حد الله بيني وبين الهباب ده
تجهمت ملامح تميم بشكل يدعو للريبة
هز رأسه معقبا عليه وقد غامت نظراته
كده الكلام بقى حلو أوي.
سأله في عدم فهم
كلامه إيه يا عم بأقولك مابخدش برشام.
ربت على كتفه ليقول متصنعا الابتسام
مصدقك يا سيدي.
لكن نظراته أوحت بغيظ متعاظم بداخله لكونه قد صدق كالأحمق كڈبة زوجته التي نشطت ذهنه بمشاعر حسية كانت تنتابه بشكل شبه منتظم تستنزف قواه
وكأنها قد رأت شبحا قادما من عالم المۏتى متجسدا أمامها بألسنة اللهب التي تأكل جلده حيا انحبس صوتها في حلقها رغم محاولاتها المستميتة للصړاخ ونجدته قبل أن يتفحم فشلت مجددا والدموع الحاړقة تنساب بغزارة من مقلتيها كانت فيروزة عالقة بين اليقظة والهذيان انخرطت في نفس الذكرى بتأثيرها المؤلم بشكل يكاد يكون حسيا عنه معنويا انفصلت عمن حولها وعاشت أسوأ أيامها إلى أن انتشلها صوت همسة المذعور من تلك الدوامة القاټلة لټغرق في ظلام آخر ربما يكون الأمن لها حاليا .. ترنح جسدها ومال بثقله على توأمتها التي تلقفتها بذراعيها وهي تصرخ خوفا عليها
فيروزة!
وبحذر تام تمددت بها على الأرضية وهي تحاوطتها استغاثت منادية والدتها بنبرة آثارت فزع البقية
يا ماما الحقيني بسرعة!
تنبه كلا من تميم وهيثم لصوت صړاخها فتوقفا عن الټدخين هرول الاثنان للداخل ليجدا فيروزة مستلقية على الأرضية وشقيقتها تحاول إفاقتها حالة من الخۏف الممزوجة بالقلق الشديد سيطرت على تميم لمجرد رؤيتها هكذا وكأنه تناسى كليا الوعود التي قطعها على نفسه بعدم الاقتراب منها أو التواجد في محيطها اندفع جاثيا على ركبته بعد أن أبعد توأمتها عنها ليرفع جسدها إليه بعد أن مرر ذراعيه من أسفل ذراعيها ليسحبها نحوه وللمرة الأولى ترتطم رأسها بصدره ليشعر بتلك الخفقة المؤلمة التي وخزت قلبه هلعا عليها أمعن النظر في ملامحها الباهتة التي غلفها الإعياء تدخل هيثم هو الآخر ليعاونه في رفعها حيث أمسك بها من ساقيها رغم كونها خفيفة الوزن حملها الاثنان واتجها بها نحو الأريكة الجديدة الموضوعة بردهة المنزل المتسعة لم يكن ليتركها تميم أبدا لولا ما قد يقال بالباطل عنها إن ظل ملتصقا بها وخوفه الزائد عليها بائن على ملامحه تراجع للخلف مفسحا المجال لوالدتها لتمر جلست قبالتها على مقعد أحضره لها هيثم وأسرعت همسة بإخراج زجاجة عطرها من حقيبتها لتستخدمه في إفاقتها من تلك الإغماءة التي قلما تتكرر.
كانت الفرصة مناسبة ل تميم للتحري بدقة عن حالتها لعل وعسى
يخرج بمعلومة مفيدة من خلال حمدية التي أظهرت امتعاضها دنا منها متسائلا باهتمام
هي الحكاية دي بتجيلها كتير
أجابته بعد زفير بطيء
ساعات كده مش دايما...
ثم أخفضت نبرتها لتضيف بخبث
بعيد عنك وعن السامعين الظاهر لابسها جن من ساعة الحاډثة إياها.
لم يكترث للهراء الفارغ الذي تفوهت به استرعى انتباهه كلمة واحدة بدت بالنسبة له محور كل شيء ضاقت نظراته وهو يعاود سؤالها بفضول
حاډثة إيه دي
هزت كتفيها وهي تجيبه مسهبة في الحديث معه
مش فاكرة بالظبط بس أبوها الله يرحمه هو اللي كان معاها وقتها.. أصلها كانت عيلة صغيرة بضفاير ساعتها بس اللي افتكره إننا غلبنا معاها عشان تطلع من الهم ده ولف بيها من دكتور للتاني عشان تتعالج وفين وفين لما بقت كويسة بس الظاهر إن الحالة رجعتلها من تاني.
لم يتبين من حديثها ما يشبع فضوله ولم تكن حمدية من ذاك النوع الواضح في الإجابات مجرد ردود عادية لا تسمن ولا تغني من جوع حرك رأسه متسائلا
هي بتاخد الدوا ده لسه
لوت ثغرها قائلة بتأفف
مش عارفة اسأل أمها.
تأكد تميم أنه لن يحصل منها على ما يرضيه مجرد ثرثرة فارغة تحشو بها أذنيه تركها واتجه بعيدا عنها باحثا عن زاوية جيدة تمكنه من رؤية وجه فيروزة الذي بات محجوبا عنه عل قلبه الملتاع يهدأ قليلا.
بدت وكأنها ټغرق في سبات عميق وديعة هادئة لا تعاني من شيء دوما كان ينتهي ذلك الکابوس المؤلم بنوبة من السکينة العجيبة شعرت همسة بالارتياح بمجرد خبوت تلك التشنجات واستغراق توأمتها في النوم أحضرت لها غطاء وضعته على جسدها ومسدت برفق على رأسها بينما ظلت والدتها باقية إلى جوارها تقرأ لها من المصحف الصغير الذي تحتفظ به دائما في حقيبتها.. أشار هيثم بيده لخطيبته لتأتي إليه سألها بنوع من المزاح
أول مرة أعرف إن أختك بهفة!
رمقته بنظرة حادة وهي تعاتبه
هيثم لو سمحت مافيش داعي للكلام ده إنت مش عارف حاجة.
قال معبرا عن اندهاشه مما رأه
أصل اللي يشوفها وهي طايحة في خلق الله ما يشوفهاش وهي كده.
قالت على مضض وهي تضغط على شفتيها
حكمة ربنا هنعمل إيه بقى.
ابتسم معقبا عليها
ولا حاجة
حاول أن يصلح زلة لسانه التي بدت سمجة ليقول ملطفا
متقلقيش دلوقتي هتبقى كويسة.
تنهدت قائلة في رجاء
يا رب
مصمصت حمدية شفتيها قبل أن تنطق بفظاظة وقد ضجرت من جلوسها هكذا لا تفعل شيئا ناهيك عن تقلصات معدتها التي أشارت لجوعها
هي عادتها ولا هتشرتيها لازم الشويتين دول يتعملوا عشان الصعبنيات.
ردت عليها همسة ترجوها بنبرة منزعجة
الله يكرمك يا مرات خالي الحكاية مش ناقصة.
لوحت لها بيدها متابعة قولها
طب تعالي كده اشربيلك حاجة بدل ما شكل الډم هربان من وشك.
نفخت مرددة في سأم
شكرا ماليش نفس.
علقت عليها بتذمر
يعني وقفتك جمبها هتفوقها يا بت خلينا ناكل حاجة بدل ما الأكل يبرد الناس صارفة ومكلفة.
نظر لها هيثم بغرابة بينما تحرجت همسة من أسلوبها غير اللطيف في التعبير عن شراهتها للطعام وبضيق ملموس في صوتها ردت
روحي إنتي يا مرات خالي..
تطلع حمدية إلى هيثم تسأله وتلك الابتسامة السخيفة مرسومة على ثغرها
أومال إنت حاطط الأكل فين يا عريس
أجابها مستخدما يده في الإشارة
هناك يا حاجة.
ربتت على كتفه تشكره في امتنان وقد سال لعابها
تسلم وتعيش.
ظلت أنظاره تتابعها وهي تتفحص أكياس الطعام لتنتقي الأفضل وهو يقول لخطيبته بما يشبه السخرية
عسل أوي قريبتكم!
سألته في استخفاف
ده بجد ولا تريقة
أجابها بصراحة غير قابلة للتشكيك
تريقة طبعا هو حد طايقها أصلا.
انعزل عن البقية ليفكر بترو فيما عرفه مصادفة عن تلك الحالة المړضية الغريبة التي تصيبها وكأن
الأمر ينقصه ليفكر فيها وحدها دونا عن بقية النساء كانت كاللغز المشوق بالنسبة له لا يمل منها أبدا كلما اكتشف جزءا فيها ظهر في طريقه آخر استحثه على اكتشاف المزيد تابع تميم والدتها التعيسة التي لم تتركها للحظة أحضر لها علبة عصير لتتناول محتوياته بعد أن انخفضت مستويات السكر لديها تأثرا بحال ابنتها المقلق آه لو تعلم ما الذي يعتريه حاليا رغم ادعائه بالصلابة والتماسك! أصر عليها تميم لتكمل شربه وسألها باهتمام اعتبرته كرما فائضا من ناحيته 
لو عاوزاني أبعت أجيب دكتور أنا جاهز.
ردت تشكره بتنهيدة متعبة
كتر خيرك يا ابني شوية وهتفوق وهتبقى عادي..
استطاع أن يرى لمحة الحزن في نظراتها وتعبيراتها وهي تكمل بحسرة
احنا مصدقنا عدينا الحكاية دي أنا مش عارفة إيه اللي رجعهلها تاني.
بدا كل ما يسمعه يسثير جنونه ويدعوه لمعرفة المزيد ومع ذلك تساءل باحتراز
هي حاډثة كبيرة
حركت آمنة رأسها بالإيجاب وهي توضح له
تقريبا وقتها وقبل ما نستقر هنا كنت بأجي من وقت للتاني عند بيت أبويا نقعد أسبوع كده ولا 10 أيام قبل ما نسافر بلدنا.
حافظ على جمود تعبيراته متسائلا
وبعدين
تابعت بزفير مهموم
زي ما إنت عارف احنا كنا جيران الحاجة ونيسة زمان في البيت اللي قصادها وفي اليوم المشؤوم ده الحتة كلها اتقلبت عشان حريقة كبيرة حصلت.
هتف مدهوشا 
حريقة
تأهبت حواسه وتنشطت خلايا عقله بعد تلك الكلمة الخطېرة فالحريق الوحيد الذي أفزع الجميع كان له صلة به وظل الحديث عنه ممتدا لسنوات ما زال يتذكر صورة مبهمة غير واضحة المعالم لطفلة صغيرة التقاها فيه مصادفة لمرة واحدة لم تتكرر آنذاك حاول إخراجها قبل أن ټحرقها النيران الجائعة خفق قلبه بقوة وشعر بوجود رابط خفي ربما يجمعه بها لكنه لم يكتشفه بعد .. المشهد لا يزال ناقصا أضافت آمنة بحزن وكأنها تعافر لنسيان الماضي وآلامه المفطرة للقلوب
أيوه معرفش إيه اللي فكرنا بالماضي ده الله يرحم عبيده..
كان على وشك سؤالها لولا رنين هاتفه الذي منعه من ذلك اعتذر منها وهو يخرجه من جيبه لينظر إلى شاشته
هستأذنك أشوف التليفون اللي معايا.
ردت بتفهم
اتفضل يا ابني.
وضع الهاتف على أذنه ليجيب بجدية بحتة
ألو أيوه يا حاج عوف.
كانت كمن تلاعب أحدهم في لعبة أحجية غامضة دامت لسنوات استهلكت فيها تفكيرها ولا وعيها إلى أن ظنت أنها تغلبت عليه وانتصرت لكن الحقيقة الصاډمة أزاحت الغطاء عن كل شيء اكتمل الناقص الآن وباتت الأوجه معروفة لها الفتى الغاضب الذي تسبب في إحراق المحل هو هيثم حين سرق والده في غفلة منه وأسقط السربتاية أرضا لتشتعل النيران وټحرق كل ما طالته حتى أبيه غريب صاحب الصورة الفوتوغرافية والفتى الآخر الذي سعت لإنقاذه بعد أن فقد وعيه هو من تشاجره حاليا تميم .. لم يعد هناك أي مفر من الإنكار أصبحت تدرك الحقيقة بملابساتها المؤلمة بدأت تستفيق ببطء وهي تحرك رأسها للجانبين استغرقت بضعة لحظات لتستعيد كامل وعيها اعتدلت في رفقدتها وأنزلت قدميها على الأرض تأوهت فيروزة بصوت خفيض مقاومة ذلك الصداع الهائل الذي يدور في رأسها رفعت أنظارها نحو توأمتها التي ابتسمت لرؤيتها بخير سألتها الأولى في حيرة
هو إيه اللي حصل
تلمست براحتيها وجهها وهي ترد متسائلة
إنتي كويسة يا حبيبتي حاسة بحاجة
أجابت نافية وكأنها تستغرب خۏفها عليها
لأ أنا تمام.. مافيش حاجة فيا.
ألحت همسة في إصرار
طمنيني عليكي
أكدت عليها بهدوء
أنا بقيت أحسن متقلقيش..
لم يخب الخۏف من نظرات توأمتها فحاولت طمأنتها وقالت ساخرة من الأمر برمته
ما إنتي عارفة اللي فيها دايما كل فترة كده
يحصلي حاجة غريبة شكل مرات خالك حسدتني.
تنفست بعمق لتعبر عن ارتياحها بعد سماعها لتلك العبارات بينما ألقت فيروزة نظرة مدققة تجوب على المكان وما فيه وكأنها تفتش عن شخص بعينه قبل أن تنطق فجأة بنبرة عازمة وهي تهم بالنهوض
بصي أنا هنزل وكملوا إنتو شغل.
وقفت همسة على قدميها وقالت بتلهف
طيب استني هاجي معاكي مش هاسيبك لوحدك.
اعترضت بابتسامة فاترة
لأ أنا بخير.. وكمان عشان تلحقوا تخلصوا ده لسه في الفستان ويدوب تلحقوا ميعاد الأتيليه.
ردت عليها بجدية وهي تومئ بعينيها
طيب هنادي ماما هي دخلت مع مرات خالي جوا يكملوا توضيب حاجة الدولاب هما تلاقيهم خلصوا و...
قاطعتها بحسم
لأ خليها .. وقوليلها أنا بقيت كويسة لو سألت عليا وشوية وهاتصل بيها.. كفاية الخضة اللي عملتها
ردت بنوع من التعاطف
متقوليش كده هو احنا عندنا حد أغلى منك
احتضنت فيروزة توأمتها في حب قبل أن تنسل من أحضانها لتوصيها
خدوا بالكم من نفسكم وربنا يعينكم
ابتسمت قائلة برقة
حاضر.
أرادت الهروب من ذاك الجو الخانق الذي يطبق على أنفاسها بل ويضغط عليها للبوح بما لا