رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


بيتين طالما في الحلال.
احتقن وجهها على الأخير لم تتوقع مثل ذلك الرد مطلقا ظنت أن الإنكار كالعادة سيكون وسيلته لتبرير نظراته العادية لكنه باغتها بإبداء ترحيبه باقتراحها تحولت للنقيض واختلج تعبيراتها المزيد من الحنق لتنطق بحدة 
إنت هتجنني عاوز تجوز عليا لأ.. والبتاعة دي!
قال بتهجم وهو يستدير نحوها ليرمقها بنظرة محذرة 
صوتك ما يعلاش..
ثم لفظ دخان سيجارته في وجهها وهو يكمل بنبرة جادة 
مش إنتي اللي قولتي زعلانة ليه
تراجعت عن حدتها أمام جديته الظاهرة على قسماته لعقت شفتيها ولجأت لأسلوبها الساهم في الحديث لتستميله 
أنا بأهزر معاك يا حبيبي مقدرش استحمل واحدة تانية تبصلك فما بالك لو لاقيت وحادة جت تاخدك مني أو حتى تشاركني فيك وبعدين احنا مش خلاص اتصالحنا وبقينا سمنة على عسل
نظر لها مليا بغموض استرابت منه ولم ينبس بكلمة. تعلقت في ذراعه وأسبلت عينيها نحوه قائلة 
إنت بتاعي أنا لوحدي من حقي أنا وبس.
استل ذراعها منها ليرد باقتضاب جعل الخۏف يدب في قلبها 
هنشوف.
....................................................
تدربت عشرات المرات على ذلك المشهد الذي بات متكررا على مسامعها في الآونة الأخيرة لن تسمح له برؤيتها وإن كانت تحبه . أغلق هيثم باب المنزل بعد مشقة واضحة عليه لصرف المدعوين الذين انتقلوا لمنزله لتوديعه مع عروسه نفخ في إرهاق محدثا نفسه بتبرم 
إيه ده الناس مابتخلصش مش يراعوا إن لسه ورانا ليلة تانية هتبتدي.
راقبته همسة من مسافة بعيدة وهي لا تزال ترتدي ثوبها رفضت خلعه وما إن رأته متجها إلى الردهة الطويلة حتى توارت عن أنظاره وأغلقت الباب خلفها. لمحها زوجها وارتسمت على شفتيه ابتسامة مبتهجة فرك كفيه معا مرددا لنفسه 
أيوه بقى.. 
نزع سترته وحل رابطة عنقه التي خنقته ثم حرر ياقتي قميصه وحل أزراه حتى برز معظم صدره تنحنح يناديها بعذوبة غريبة عليه 
هموسة يا عروسة!
وقف أمام باب غرفة النوم ودق بظهر كفه عليه مستئذنا في الدخول بصورة مازحة 
اللي خالع راسه يغطيها.
تنحنح بصوت شبه مرتفع وهو يدير المقبض ثم أطل برأسه أولا وهو يدير نظراته في الغرفة باحثا عنها كانت تجلس على طرف الفراش تحتضن كفيها في حجرها استقام في وقفته استطاعت أن تسمع هسيسه المنخفض رغم صمته أبعدت نظراتها عنه ولكنه استمر في التقدم نحوها وتنهد مادحا جمالها 
مافيش بعد كده يا هموس.
بلعت ريقها وردت 
شكرا.
جلس إلى جوارها على طرف الفراش يسألها كنوع من إذابة الجليد والتوتر السائد بينهما 
إيه رأيك في اليوم
همست بلعثمة 
حلو
امتدت يده ببطء لتلامس كفيها وبدأ في مداعبة جلد بشرتها الناعم بأصابعه انتفضت هاربة من جواره كمن صعقه تيارا كهربيا ثم رفعت سبابتها تحذره بصوت متلجلج 
بص أنا مش جاهزة لأي حاجة النهاردة
نهض واقفا قبالتها ليحاصرها مرددا بهدوء
ده احنا هناخد وندي بشكل ودي يا هموسة.
ورغم الرجفة المسيطرة عليها إلا أنها أصرت على وضع مسافة آمنة بينهما وأضافت بلهجة جادة لم ترق له.
ودي بس .. تاتش وحركات تانية مش هاينفع.
رفع حاجبه للأعلى في استنكار قبل أن يعترض بملامح شبه عابسة 
ليه ده حتى قرب حبة تزيد محبة.
زادت ربكتها وانعكست على بشرتها فتخضبت بحمرة حرجة همهمت مع نفسها في خجل كبير 
مش عارفة أقولهاله إزاي..
دنا منها هيثم ولامس بكفيه جانبي ذراعيها داعبهما صعودا وهبوطا بحركة بطيئة متأنية ثم أحنى رأسه عليها كما لو كان على وشك تقبيلها 
إنتي مكسوفة مني ولا إيه
دفعته من صدره بقبضتيها رافضة اقترابه الحتمي منها بأي شكل وصاحت محتجة 
بص أنا .. Out of service خارج نطاق الخدمة النهاردة.
تعقدت ملامحه متسائلا في حيرة 
وده معناه إيه
قضمت شفتها السفلى وأدركت أنه لم يفهم المغزى من جملتها المتوارية ومع ذلك تشجعت لتقول له ليكف عن ملاحقتها في تلك الليلة 
هات ودنك وأنا أقولك.
اتسعت عيناه في صدمة حين همست له بزيارة استثنائية لضيفتها الشهرية بعد تأخرها لبضعة أيام بسبب توترها الزائد في الفترة الأخيرة واليوم تحديدا قد أتتها لتقضي على كامل فرصته في التودد لها تهدل كتفاه وحل العبوس على وجهه نظر لها في غيظ لاعنا بضيق منزعج 
يادي الحظ ..
ربتت على كتفه قائلة بربكة لطيفة وكأنها تواسيه 
معلش أنا أسفة.
فرك مؤخرة عنقه متسائلا بوجهه المكفهر 
ودي بتقعد كتير
هزت كتفيها قائلة ببساطة 
يعني.. ممكن أسبوع
هنا اڼفجر صائحا بغيظ غلف حتى نظراته 
حسبي الله ونعم الوكيل.
وضعت همسة يدها أعلى منتصف خصرها ترمقه بنظرة لائمة وعاتبته 
بتقول إيه
زفر متبرما وهو يدعي كڈبا 
خلينا ناكل أحسن مش هايبقى جفاف عاطفي وجوع كمان.
أخفت ابتسامة متسلية كانت تحاول الظهور على شفتيها بسبب تذمره الذي بدا طفوليا عنه رجوليا راقبته وهو يخرج من الغرفة مجرجرا أذيال الخيبة ورائه لتتنفس بعمق مستشعرة أنها ربما تكون فرصة جيدة للتفاهم أكثر وللتقارب وجدانيا عنه جسديا.
.................................................................
أصر عليها أن ترتديه خصيصا له هذه الليلة وافقته دون نقاش بدا الأمر يستهويها أيضا وبالتالي عاد كلاهما إلى منزله ليحصلا على المزيد من الخصوصية بعيدا عن نظرات عائلته المراقبة لهما. وقفت خلود عند حافة الفراش بثوب ليلة دخلتها الأبيض مزدانة بمساحيق التجميل وتتمايل في ميوعة مغرية بجسدها الذي انتفخ قليلا نثرت العطر النفاذ على جانبي عنقها وتخيلت تعيد ترميم الشروخ بينهما خاصة أنه بدا رائق المزاج قبيل انتهاء العرس. التفتت نحو تميم الذي ولج للغرفة بعد أن نزع سترته وبقي بقميصه الأبيض سألته بأنفاس مضطربة من انفعالها 
إيه رأيك يا حبيبي
دار على تفاصيلها الأنثوية المشوقةبنظرات متمهلة بطيئة للغاية أصابتها بالحماس والانتعاشة وتنهد يقول بخفوت 
جميلة من برا زي تملي.
في البداية لم تستشعر الغرابة من جملته المركبة وأصابتها لوسة مؤقتة بتغزله الغريب منها لم يكن على عادته معها لكن لمدى احتياجها الشديد إليه اعتقدت أنها سلبت عقله بمفاتنها المشوقة وبالتالي لن يقاومها مهما ادعى تجاهله لها ستدفعه الأشواق الراغبة إليها. منحها تميم تأكيدا على رغبته فيها بإيماءة إعجاب أخرى من رأسه وأضاف يسألها بجدية 
لسه عاوزاني
ردت دون تفكير 
أنا مقدرش أستغني عنك إنت بتاعي وبس.
سألها معمقا نظراته نحوها وكأنه يختبرها 
حتى بعد اللي حصل بينا
أجابت ببساطة رغم ملاحظتها للنفور الظاهر على تعبيراته 
وإيه يعني طالما بيعجبك أنا تحت رجليك يا حبيبي.
ران الصمت في الغرفة للحظة
شرد يفكر في خطوته التالية وكأنه يمنح نفسه الفرصة لحسم أمره قبل الإقدام عليه فعليا. راقبته خلود بإمعان حائر حيث استغربت من انجرافه وراء هذا الشأن الذكوري الخالص بتلك السهولة كان يقاوم توددها الملح عليه في الأيام السابقة محتجا ببغض على محاولاتها المضنية لجره للفراش أما في تلك الساعة فكان على النقيض مختلفا كليا نهما طامعا فيها لم تترك ترددها يحيرها وقالت بتنهيدة مفعمة باللوعة 
أيوه.. 
تبين مدى حاجتها أيضا إليه وبذل ما في وسعه لتأجيج مشاعرها نحوه. خلع قميصه بروية ونظراته الغامضة ما زالت عليها ترك أصابعه تتجول على بشرتها 
أطلقت فيها العنان لكل مشاعرها تناست ما حولها مستسلمة لتيار الحب الجارف وتجاوب حواسها بطريقة لينة وطامعة في غرامه.. وقبل أن يجرفه طوفانه لأبعد من ذلك توقف لتشعر خلود بشيء مريب ينتابه. انطفأت الرغبة فيها فجأة وتحولت للوح من الجليد المتصدع حين نطق تميم في أذنها بصوت أقرب للفحيح 
إنتي.. طالق ..!!!!!!
الفصل الخمسون
الميل للتملك هو غريزة موجودة بالنفس البشرية قد تتحول بفعل كلا من الغيرة والأنانية والمشاعر المندفعة غير الناضجة إلى نزعة هوسية إذا تم التمادي في الأمر بشكل مفرط وبالتالي تتحول من مجرد حب طبيعي إلى رغبة مرضية وغير صحية تؤدي في النهاية للهوس بفرض السيطرة على الآخرين أو أحد بعينه. حينئذ ينتهي الأمر بانتهاك الخصوصية والسعي بشتى الطرق للتحكم في تفاصيل حياة الأشخاص صغيرة كانت أم كبيرة لضمان عدم فقدهم والاستحواذ عليهم.
حاربها بنفس سلاحھا اللعېن مستنزفا عواطفها جارحا بلا هوادة كرامتها الأنثوية داعسا ما كان بينهما يوما من مودة ورحمة مذيقا إياها مرارة الإهانة الحقيقية! لم يكن ما سمعته وهما ولم تكن خزعبلات آخر الليل عندما أبرأ ذمته من ارتباطه بتعابيره كانت باردة كالجليد نظراته خالية من العطف أو الشفقة بل بدا وكأنه أزاح ثقلا أرهق روحه رويدا رويدا بدأت تستفيق من جمودها الذاهل لتصرخ في هياج
إنت عملت إيه
عدل من هندامه قائلا بصوت جليدي
الصح واللي كان المفروض يتعمل من زمان.
هزت رأسها بشكل هيستري نافية حدوث الانفصال بينهما
لأ.. إنت استحالة تطلقني!
عبث بأصابعه في شعره وكأنه يمشطه قبل أن ينطق بنفس الصوت الجاف
بكرة الصبح ورقتك هتبقى عندك.
أشعل جذوة ڠضبها المتقدة مسبقاا يهم مظهرها الآن بدت فوضوية بشكل غير مقبول. حملقت فيه بقلب يخفق بقوة ظلت تهز رأسها بالنفي وهي تدنو منه الټفت حوله لتغدو قبالته امتدت يدها لتمسك بذراعه شدته منه وهي تسأله بصړاخها المتشنج
أومال الحب اللي بينا ده كان إيه
نفض ذراعه بعيدا عن يدها رمقها بنظرة فوقية نافرة ليرد بعدها بصدق
احنا مكانش في بقينا حب من الأساس على الأقل من ناحيتي.
تعلقت بذراعيه مجددا تهزه منهما وهي ما تزال تهدر فيه بعصبية
لأ إنت بتحبني! ماتنكرش ده.
صاح في حدة مخلصا نفسه من قبضتيها
فوقي يا خلود أنا عمري ما حبيتك.
لم تستوعب حقيقة هجرانه لها بعد وواصلت إلقاء اللوم عليه
كل ده عشان إيه يا تميم بتبيع اللي مستعدية تضحي بنفسها عشانك من غير ما تفكر للحظة وحبي ليك مالوش قيمة عندك
رد بقساوة علها تستفيق من أوهامها الأفلاطونية
كل ده قضى اللي بينا خلص وأنا نهيته.
احتجت بصړاخ چرح حبالها الصوتية
لأ إنت غلطان.. مافيش حاجة هتخلص بينا سامعني إنت جوزي وهتفضل ليا لوحدي.
لم يكن قادرا على منحها أدنى شعور بالإشفاق على حالها التعس اكتفى مما عايشه معها عاملها بقلب خال من أي عاطفة وهو يملي عليها أوامره
جهزي نفسك ده لو حابة تروحي عند أمك تقعدي عندها شوفي لازمك إيه وخديه وأنا الصبحية هوصلك ما هو احنا مش هنروحلها في أنصاص الليالي.
أسرعت بالركض نحو الدولاب الذي يحوي ثيابهما لتلقي بظهرها أمام ضلفه معتقدة أنها ستمنعه من جمع متعلقاتها. فردت ذراعيها على الأسطح الخشبية وهتفت معترضة برفض قاطع
أنا مش هامشي من هنا ده بيتي وإنت جوزي.
صحح لها بوجه قاس اكتسب تعابيرا صخرية
كنت .. 
برزت عيناها وهي ترد بإصرار چنوني
لأ إنت جوزي وأنا مش هاسيبك يا تميم.
تابع القول ببرود أعجب موضحا لها
مؤخرك ونفقتك وكافة شيء هيوصلك واللي في بطنك ملزوم مني.
اختنق صدرها بالعبرات وهتفت بنحيب مرير
إنت بتعمل فيا كده ليه
تجاهلها ليضيف
غلطة
وبأصلحها.
استفزتها كلمته فهدرت بصوتها المجروح
بقى أنا غلطة يا تميم 
للحظة تخلى عن قساوته ليقول بنوع من اللين معترفا لها بصدق
لأ أنا غلطان أكتر منك عارفة ليه
صمت للحظة يخنق بها غصة آلمت حلقه ثم تابع
لأني ظلمتك معايا لما صممت نكمل حياتنا سوا.. كان قدامي فرصة أسيبك بس صعب عليا مقدرش انتظارك ليا وفكرت إني هاقدر أكمل معاكي بس للأسف ما بقاش ينفع.
أرخت ذراعيها واقتربت منه لتحتضن جسده