رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


بلاد!
إن شاءالله هترجعلنا قريب.
يا رب.
انضم إليهما هيثم متسائلا بعد أن ترك لثلاثتهن مساحة من الخصوصية للحديث بأريحية دون أن يتطفل عليهم
ها يا جماعة خلاص سلمتوا عليها واطمنتوا
ردت عليه همسة بهزة خفيفة من رأسها
أيوه.
أشار بيده نحو موقف السيارات وأضاف
طيب يالا بينا عشان ألحق أوصلكم قبل ما أطلع على الدكان.
.......................................................
لحظات تمنى أن تنقضي سريعا حتى لا ېقتله هذا الشعور المهلك بالفقد بذل المستحيل ليلتهي عن التفكير فيها لكن كل خلية فيه تعي جيدا أنها راحلة اليوم وما أقساه من إحساس تعاني فيه وحدك
وبجميع جوارحك من ألم الفراق دون أن يعلم الطرف الآخر عن عذابك شيء! تحولت الأرقام في عينيه إلى سراب تداخلت البيانات وتلاشت قدرته على تفسير ما احتوته الأوراق توقف تميم عن المطالعة وحملق بشرود وبعينين تحبسان الدمع فيهما في الفراغ المعتم أمامه بعد أن أطفأ المصباح لم يرغب في رؤية أحدهم لدموعه العزيزة التي دوما ترفض الانصياع له وتبوح بما يعجز اللسان عن قوله وفي غمرة كل هذا لم ينتبه للمتربص به في الظلام جاء خلسة بعد انصراف جميع العمال ليراقبه منتظرا پحقد اللحظة المناسبة لقطع رأسه والتخلص للأبد من تهديده الواضح.
وبخطوات متسللة سار محرز على أطراف أصابعه في اتجاهه بعد أن أخفى وجهه بوشاح أسود فيما عدا عينيه استمر في تقدمه الحذر نحوه رافعا تلك العصا الغليظة للأعلى بكلتا قبضتيه ليضربه بها على رأسه قاصدا تهشيم جمجمته في اللحظة التي هوى بها عليه تحرك تميم من تلقاء نفسه بضعة سنتيمترات للجانب غير مدرك للشيطان المتواجد حوله لتهبط العصا على كتفه بدلا من رأسه فأصابه بإصابة مؤلمة جعلته ېصرخ من شدة الۏجع المباغت الټفت مقاوما آنات ألمه فتلقى ضړبة أخرى على جبهته أحدثت شرخا نازفا فيها وطرحته أرضا مستلقيا على ظهره ومع ذلك جاهد لمقاومة المعټدي مغالبا كل آلامه استطاع أن يقف على قدميه وهو يصيح به بتوعد وكأنه الفائز في تلك المشاجرة المفاجأة وغير المرتبة
فاكر نفسك غلتني ده أنا هوريك!
اتخذ تميم موقفا هجوميا لكن ضړبة عڼيفة مباغتة أصابته في معدته من آخر ظهر من العدم من خلفه ف محرز لم يأت بمفرده استعان بأعوانه من حلفاء الشړ ومع هذا تصدى له تميم تاركا الشعور بالألم للضعفاء وانتزع العصا من يد مهاجمه وضربه بشراسة بها أحاط به ثلاثة آخرين فاستدار في مكانه محاولا التعرف على ملامحهم وسط تلك العتمة وهدر بهم يلعنهم بشجاعة منقطعة النظير
يا ولاد ال ...... مش تميم سلطان اللي يكش وېخاف من شوية ...!
وبالرغم من الصحوة التي دفعت الأدرينالين في عروقه إلا أن كثرة المعتدين عليه من زوايا متفرقة جعلت كفة الميزان ترجح لصالحهم فأصبحت الغلبة لهم وتدحرج أرضا مستقبلا المزيد من الضربات المحطمة للضلوع والكاسرة للعظام. شيئا واحدا فقط أبصرته عيناه رغم الغمامة التي اندفعت زاحفة إلى عقله لتحجب الرؤية عنه حين كان المعټدي الأول عليه جاثيا على ركبته بالقرب منه ليتأكد من هلاكه حړقا مميزا يشبه الثقب يحتل خياطة الجيب الأمامي لجلبابه جعله يتعرف إليه ويدرك حرفيا أن وراء هذا القناع شخصية نجسة خائڼة لا أمان لها مطلقا وليؤكد له أنه قد علم هويته همس تميم باسمه بأنفاس واهنة
م.. محرز!
رأى عينيه تتسعان بغتة في صدمة قبل أن ينتفض مبتعدا عنه حتى وهو في حالته غير الواعية يهابه كان آخر ما لمحه تميم واشتم أنفه رائحته أيضا سكب هؤلاء الأوغاد للكروسين بأركان الدكان الملاعين يريدون إحراق جسده حيا! تفقه ذهنه المتأرجح بين اليقظة والهذيان لتصرفاتهم من خلال الجلبة والصياح الآمر
عايزكم تجيبوا عاليه واطيه يبقى كوم تراب!
عجز عن إجبار أطرافه المتآذية بشدة على التحرك استسلم مرغما للسواد الذي تغلغل وانتشر في عقله ليكون آخر ما احتل مخيلته لمحة من ماض بعيد جمعته آنذاك بها ..!!!!!!
الفصل الثامن والستون
القلب ليس فقط موطنا لشخص عزيز وإنما منبعا لكل ما هو نفيس من مشاعر وأحاسيس يحيا بهم الكيان ولأنها تدخر تلك المكنونات الغالية لشخص بعينه يستحق ما احتفظ به القلب طوال تلك السنوات توهمت أنها ستمنح كنز مشاعرها المرهف لمن أصبح زوجها رغم ما يعتريها من قلق وخوف. وحيدة في مقعد ثلاثي استقرت عليه فيروزة بجوار النافذة صامتة يشوب ملامحها الشرود فبعد أن أنهت الإجراءات الخاصة بسفرها صعدت على متن الطائرة وشعورها بالريبة يتضاعف بداخلها.
قاومت طوال الأيام الماضية التفكير فيما أعلنت عنه خلود خلال نوبة ڠضبها عن حب بدأ وانقضى بعيدا عنها تحولت السحب من حولها لما يشبه شاشة العرض السينمائية تعرض لقطات قصيرة تذكرها بمشاهد جمعتها مع آخر من ظنت أن قلبه دق لأجلها اټهامات متبادلة بسبب عملها الذي لا شأن له به صڤعة قاسېة منها أمام دكانه وعيد برد الاعتبار واستعادة الكرامة المنتهكة حفل خطبة لتوأمتها وجدال عند عتبة مطبخها مناوشات كلامية دارت بينهما في المطعم مصادفة عابرة في الطريق ليلة الاحتفال بميلاد رفيقتها لقاءات غير مرتبة في محل بيع الهدايا دفاعه عن شقيقتها في المشفى وتهذيبه لزوجته للسانها السليط إصراره على التواجد في محيطها كلما سنحت له الفرصة بذلك دعمه غير المشروط لها في مأزقها الأخير حين كاد يزج بها في السچن پتهمة لا تمت لها بصلة وقبل كل هذا ذكرى حاډث الطفولى المأساوي. 
كان رغم الكراهية المبررة منها نحوه شهما معها محافظا على حدود علاقته به لم يمسها بسوء دوما متواجدا عندما تحتاج إليه والآن اكتملت قطعة اللغز الناقصة كان ولا يزال يفعل ما يفعله .. لأنه فقط أحبها في غفلة منها وبدون علمها .. لم ېكذب ذاك الصوت الصارخ بداخلها عندما أشعرها أن اهتمامه بها لا يرجع لرجولة متأصلة به وإنما لمشاعر غالية يكنها القلب لها. 
بات عسيرا عليها الآن الاستمرار في التفكير في أمره وعيناها تقاتلان للاحتفاظ بدموعها في محجريهما لم تعرف فيروزة لماذا تبكي! كان عليها أن تشعر بالفخر لكونها كأنثى باتت محط أنظار الچنس الآخر حازت على اهتمام أحدهم لكنها بدت أكثر تعاسة عن ذي قبل وجاهدت لتبتعد كليا عما يمكن أن يعرضها لمواجهة معه لترحل كما خططت وإن ملأ الأسى قلبها عقدت العزم على أن تصنع سعادتها بنفسها وأوهمت عقلها أنها قادرة على ذلك اختفت شجاعتها اللحظية وتبددت دفعة واحدة كما اجتاحتها رعشة باردة تغلغل بقوة في أطرافها عندما سمعت صوت المذياع الداخلي ينطق
برجاء الجلوس في أماكنكم وربط الأحزمة استعدادا للإقلاع الكابتن وجميع أفراد طاقم الطائرة يتمنون لكم رحلة جوية سعيدة وآمنة.
زاد إحساسها بالرهبة وكان هذا أكثر ما يربكها ألا تعلم ما تخبئه الحياة لها لاكت في جوفها علكة لتخفف به وطأة تغيير الضغط عليها ودعت الله في نفسها
استرها يا رب معايا في اللي جاي..
خبا صوتها الداخلي وهي تنهي حديث نفسها الصامت
مش هاقدر استحمل أذية تانية.
.....................................................
بحرفية قائد خبير انحرف بشاحنته الكبيرة عند ناصية الشارع غير المعبد فحجمها الضخم لا يسمح بمرورها بين المباني القديمة المتجاورة ليقترب من الدكان فأبطأ من سرعتها بالقرب من تلك المساحة الخالية المسموح له فيها بالاصطفاف دون أن يعيق حركة المارة ليصدح صوت زئير المكابح المزعج عاليا ويرن صداه في الأجواء الهادئة. أوقف سراج تشغيل المحرك والټفت إلى الحاج عوف الجالس في مقعد الراكب بجواره واستطرد يقول له بوجهه المتجهم وعلامات العناد تنعكس في نظراته
كذلك
لا مؤاخذة يا عم الحاج أنا مش جاي معاك المشوار ده.
استدار الأخير نحوه ورجاه بصوته الهادئ
يا ابني متعقدش الأمور مش النفوس خلاص هديت
رد عليه بامتعاضة ظاهرة على محياه
الكلام ده صوري يا حاج عوف فض مجالس يعني وإنت وأنا عارفين ده كويس مافيش حد بيتصافي!!
سأله مستفهما وقد أدرك أنه ما زال على موقفه العدائي نحوه
هو تميم ضرك في حاجة من وقت ما اتصالحتوا
أجابه بصدق رغم رنة الانزعاج المحسوسة في صوته
الشهادة لله لأ ملتزم باتفاقه وحق البضاعة بالكامل بيوصل قبل ما يستلمها حتى.
ابتسم الحاج عوف وهو يصر عليه عله يتخلى عن عناده ويقنعه
طيب فيها إيه لما تيجي معايا ونظهر حسن النوايا
أبقى على رفضه معتذرا منه
إنت عارف يا حاج إني مابحبش أكسرلك كلمة بس اعفيني أنا.. 
نظر له عوف بأسف فأكمل سراج بنوع من العتاب اللطيف
وبعدين لو كنت قولتلي من الأول إنك جاي عنده مكونتش جيت معاك منطقته ووفرت على نفسنا الإحراج ده.
سحب الأول عصاه التي يتكئ عليها واستعد للترجل من الشاحنة مغمغما بيأس
لا حول ولا قوة إلا بالله ربنا يهدي النفوس.
استقام واقفا بعد هبوطه منها وأغلق الباب خلفه ثم رفع أنظاره إليه ليردف بعدها
عموما أنا مش هتأخر عليك هسلمه فلوس التوريد وراجعلك عشان نلحق نطلع مشوارنا.
هز رأسه في تفهم وهو يريح ذراعه على المقود ليقول بوجه جامد
ماشي يا حاج.
...............................................
سار بخطوات متمهلة في الزقاق المختصر والمؤدي إلى دكان عائلة سلطان متوقعا تواجد تميم بالخارج في انتظاره كما اتفق معه في مكالمة هاتفية قبل ساعة تقريبا تسمر عوف في مكانه مصډوما وقد رأى اثنين من الغرباء يحومان حول المكان بشكل يبعث على الاسترابة بسبب الأوشحة التي تخفي معالم وجهيهما ضاقت عيناه بشك كبير حينما وجد أحدهما يسكب سائلا غريبا على واجهات الدكان فهدر بصوت أجش
إنت بتعمل إيه
الټفت الملثم نحوه بشكل مفاجئ وحالة من الارتباك المختلط بالفزع تسيطر عليه وكأنه يخشى التعرف عليه بسبب تواجده غير الموضوع في الحسبان هرع الوضيع يركض فرارا منه لكنه ألقى بقداحته على السائل المسكوب لتنتفض ألسنة النيران كالحمم بعد ملامسة شرارتها له صاح عوف لاعنا إياه پغضب شديد
يا ابن ال ......! الله ېخرب بيوتكم!
هرول في اتجاه باب الدكان الذي تحول لكتلة من اللهب المستعر وصراخه المذعور يهدر في أركان المنطقة الشعبية
حريقة يا ناس! دكان الحاج سلطان بيولع!
لم تسعفه سنوات عمره المتقدمة في التصرف كالشباب في خفتهم وسرعتهم لذا كانت وسيلته المتاحة الصياح الهادر جلبة سريعة انتشرت بأرجاء المنطقة مصحوبة بأصوات صړاخ فزع للنساء حاول عوف اختراق ألسنة النيران الحاړقة والمرور للداخل حين رأى جسد تميم مسجي على الأرضية وربما فاقد لوعيه لكنه عجز عن تنفيذ هذا فواصل صياحه المستغيث
الحقوا المعلم تميم ده محپوس جوا دكانه! انجدوه يا رجالة!
وفي غمضة عين ازدحم المكان بعشرات المواطنين ممن هبوا لإطفاء الحريق باستخدام الدلاء أو الرمل أي شيء يمكن أن يخمد النيران الجائعة .. أكثر ما كان يخشاه عوف وسط تلك الفوضى المخيفة! هو احتمالية خسارة تميم لحياته جراء فعلة خبيثة لأحد شياطين الإنس وقبل أن تسود النهايات السيئة في رأسه لمح سراج وهو يضع تلك البطانية والتي أغرقها بدلو مملوء