رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


تابعت پألم شديد
أنا اتكسرت من جوايا يا ماما مع إني مظلومة في حاجة اتهزت فيا مابقتش زي الأول حتى لو اللي اتعمل ده فيا إنتو شايفينه عادي!
ربتت آمنة على كتفها بحنو وهونت عليها عڈابها قائلة لها
متقوليش كده اللي حصلك مش سهل عليا برضوه.
رغم بكائها الصادق إلا أنها لم تشعر بتعاطفها الحقيقي معها أفسدت سلبيتها الممېتة رباط الثقة بينهما. بلعت فيروزة ذاك العلقم المرير في حلقها وتنهدت متابعة بأنفاسها المنفعلة
شوفتي نظرات حمدية ليا مع إنها عارفاني كويس بس كانت أول واحدة لفت حبل المشنقة حوالين رقبتي.
علقت عليها بنواح
والله أنا حاولت أتكلم مع عمك جايز مايسمحش ده يحصلك وآ....
قاطعتها فيروزة بحزن جلي وحسرة مقروءة في نظراتها
عمي.. يا خسارة عليه!
زاد اختناق صوتها مع قولها
النهاردة اتأكدت إن السند راح من زمان!
حاولت أن تكبح عبراتها لتبدو متماسكة لكنها فشلت فالأمر يفوق قدرة أي إنسان طبيعي على الاحتمال كفكفت دموعها الحاړقة واستأنفت معبرة عن قسۏة أقاربها
وعمي وقت الجد خد صف ابنه ونسى إني متربية تربية أصيلة ما عملش العيبة ولا فيها مۏتي!!
احتضنتها والدتها ومسحت على ظهرها معتذرة منها
حقك عليا يا بنتي.
انسلت من أحضانها متسائلة في قهر
هترجع الكلمة دي إيه ولا إيه!
تنفست فيروزة بعمق لبضعة مرات حتى ټقتل ضعفها الذي طغى على السطح وقالت بحزم وبقساوة كست نظراتها
بالنسبالي كل حاجة ربطتني في يوم بالبلد دي انتهت!
تساءلت أمها في حيرة
يعني إيه
قالت حاسمة أمرها نهائيا كمن يقرر لا من يخير
أنا مش هارجع هنا تاني يا ماما .. حتى لو مت!
عند تلك الكلمات الختامية استفاقت فيروزة من سرحانها المفطر للقلوب على صوت البوق المزعج لإحدى السيارات انطلقت عابرة للجهة الأخرى مانعة نفسها من ذرف أي عبرات كانت كراهيتها لما مرت به خلال الفترة الأخيرة قد وصلت لمنتهاها ليبقى ضعفها مخبئا بداخلها غير مسموح لأحد برؤية الهزيمة التي نالت من روحها وسحقتها.
.........................................................
كان لسيرها المرهق الأثر المحمود في تخفيف وطأة معاناتها دارت لوقت طويل في الشوارع آملة أن تفرغ شحنتها المكبوتة في صدرها تمكن التعب من قدميها فاتجهت أخيرا إلى محل رفيقتها وكانت آخر من تحبذ اللقاء بها في تلك الظروف استقبلتها علا بتلهف متحمس ما إن رأتها حتى قفزت عن مكتبها واتجهت إليها مستهلة حديثها المرح معها بتهنئة حارة
نقول مبروك بقى!
ضاقت نظراتها الملتهبتين نحوها باستهجان بائن وسألتها بما يشبه الاتهام
يعني كنتي عارفة
بتلقائية أجابتها رفيقتها
أكيد.. آسر ليه مكانة مميزة عندي وآ...
قاطعتها فيروزة متسائلة بنوع من الھجوم
ومحذرتنيش أو حتى عرفتيني باللي ناوي يعمله
تطلعت إليها في استغراب لم تبد سعيدة بتاتا مظاهر الفرحة الطبيعة كانت معډومة من على ملامحها الواجمة لم تبعد عينيها المتفرستان في وجهها وقالت مبررة تصرفها بدهشة غلفت نبرتها
هو معملش حاجة غريبة طلبك للجواز من أهلك كأي حد عايز يرتبط ببنت بشكل رسمي.
احتقنت عينا صديقتها وبدت وكأنها تقاتل شيء ما بداخلها بينما أكملت علا ببساطة شديدة وكأنها لم تفعل ذلك حقا
ولو إنتي مش راضية أرفضيه عادي.
هنا صړخت بها فيروزة بصوت متهدج
علا بسببه أنا اتأذيت!
وضعت رفيقتها يدها على فمها كبتت شهقة تنازع للخروج من بين شفتيها وقد كانت في حالة صدمة أخفضت يدها لتسألها في قلق
إزاي هو عملك حاجة
ندمت الأخيرة لاندفاع لسانها الأخرق في البوح بما لا يفترض قوله فصححت بحزن ملموس بقوة في تعبيراتها الذابلة
لأ مش هو.
ألحت عليها متسائلة في فضول شديد
أومال
تجنبت منحها الإجابة الحقيقية بنوع من المراوغة
حاجة مش مهمة بس كان لازم على الأقل تعرفيني يا علا إنتي صاحبتي.
شعرت رفيقتها بغرابة تصرفاتها بوجود ما تخفيه عنها وردت في توجس
فيروزة أنا متوقعتش إنك تزعلي كده خالص افتكرت هتفرحي بجو الخطوبة والحب والرومانسية الحاجات اللي أي بنت بتحلم بيها.
نظرت لها بعينين فارغتين خالية من المشاعر تقريبا يغطيهما الحزن والهم حاولت علا الابتسام وأضافت بنعومة عل رفيقتها ترى الجانب الدافئ في شخصيته مثلما تراه هي
وعلى فكرة آسر بيحبك أوي تقريبا مش شايف غيرك عايزة إيه تاني غير كده
اعترفت دون ندم
وأنا مش بأحبه!
ورغم كون ردها الصريح قد أراح علا إلا أنها احتفظت بسعادتها في الخفاء استمعت إلى رفيقتها وهي تواصل قولها
ومش عايزة جواز صالونات ولا حد يجبرني على حاجة مش عايزاها.
تصنعت البراءة وسألتها لتتأكد من فتور مشاعرها نحو آسر
أنا بجد مش فهماكي حد يجيله عريس لقطة زي ده ويرفضه.
أجابت بلا شك
لقطة بالنسبة لغيري لكن مش أنا.
انفلتت تنهيدة حالمة من بين شفتي علا تبعها نظرات ساهمة وهي تردد في جنبات نفسها برجاء عظيم
يا ريتني كنت مكانك!
............................................................
امتزجت حرارة الجو مع الرطوبة العالية والتي غطت معظم رصيف الميناء بشكل غريب لتمنح المتواجدين إحساسا كبيرا بارتفاع درجات الحرارة عن المعتاد أصبح الطقس خانقا بشكل غير اعتيادي خاصة والمكان يعج بزحام شديد بسبب تكثيف الإجراءات الأمنية لتفتيش كافة البضائع الواردة والصادرة. أظهر تميم تصريحه المروري ليلج للداخل بسيارته بينما تساءل ناجي في تذمر
مش شغل الميناء والفواتير بتاع هيثم مالنا احنا ومال القرف ده كله
قال ببسمة باهتة مرتكزة على زاوية فمه
عريس يا سيدي.. والفواتير دي لازم ناخدها قبل ما نسلم التوريد الجديد.
علق ساخرا من مكوثه الطويل بالمنزل
هو هياخد الشهر كله وإلا إيه ده كل الرجالة بتطفش من تاني يوم!
رد عليه تميم ممازحا
سيبه كام يوم بكرة النكد يلبس فيه.
تجرأ صديقه ليسأله بوقاحة طفيفة وذلك الفضول يبرز في نظراته نحوه
صحيح الناس بتقول إن الجماعة بتوعك أعدين معاك في بيت العيلة هو إنتو رجعتوا لبعض ولا إيه
انعطف تميم بسيارته نحو الموقف المخصص لركن السيارات بداخل الميناء رمقه بنظرة محذرة قبل أن يوبخه بخشونة
ومن امتى أنا بأتكلم يا ناجي في حاجات تخص أهل بيتي مع حد
برر له على الفور
أنا يا سيدي عاوز أباركلك لو رجعتوا لبعض وبعدين ده الناس اللي بتقول إكمن شايفين الجماعة عندكم ليل نهار.
زجره بحدة وتلك الشراسة المقلقة تغزو حدقتاه
خلينا في شغلنا اللي جايين عشانه أحسن.
لعق شفتيه ورد دون تفكير
اللي يريحك.
في تلك الأثناء وعلى مسافة غير بعيدة منهما كان محرز يجري مكالمة هاتفية مع أحدهم لإطلاعه بآخر مستجدات إنهاء إجراءات تخليص الحاوية التي تحوي ثمار التفاح المستوردة أنهاها واستدار ببطء ليتفاجأ بتواجد الاثنين في الميناء وكأن مسألة حضوره إلى هنا مستبعدة عن ذهنه بهتت ملامحه وأصابته لوسة موترة كان كمن تعرض للصعق كهربيا فهتف بصوت خفيض
يادي المصېبة إيه اللي جابه هنا!!
بحث سريعا بعينيه عن حاجز ما ليتوارى خلفه قبل أن يلمحه شقيق زوجته مرددا لنفسه
ده كده الحكاية كلها تتكشف لو عرف إني هنا!
وجد ضالته المنشودة سيارة نقل كبيرة اختبئ عند مقدمتها مانحا عينيه زاوية رؤية جيدة وضع الهاتف على أذنه ليهاتف نفس الشخص الذي حاډثه قبل قليل وردد بصوت مضطرب
بأقولك إيه يا أستاذنا أخو مراتي هنا كده مش هاعرف أتحرك براحتي.. 
جاء صوت آسر من الطرف الآخر ناطقا بذهول
تميم وده إيه اللي جابه إنت مش قايلي إنه مالوش في شغل المينا
رد في حيرة
معرفش أنا زيي زيك اتفاجئت بيه هنا.. ها أأجل الحكاية ولا أعمل إيه
أجابه معترضا
لأ استنى
هتف متسائلا
لحد امتى
جاوبه بهدوء عاد ليسيطر على نبرته
شوية جايز يكون جاي في حاجة في السريع وماشي.
على مضض عقب عليه
طيب.
سأله آسر في اهتمام
والأمانة فين
بابتسامة واثقة لا تنم عن كونها المرة الأولى أبدا أجاب
في الحفظ والصون مستني راجلي يعدي عليا ياخدها.
حذره بلهجة شديدة
حاول ماتظهرش قصاد تميم مش عايزين حد يشك فيك
خطړ ل محرز خاطر سريع ذكره بليلة عرس هيثم حين تفاجأ برؤية آسر في حفل الزفاف كان أمرا صاډما تواجده في المكان ومع هذا عمد إلى التعامل معه كشخص غريب لم يسبق له رؤيته أبدا والأخير تصرف بنفس الأسلوب وكأن تعاملاتهما لا تمتد لسنوات سابقة.. نفض ما يشوش صفاء تفكيره حاليا ليرد بزفير ممتعض
حاضر يا سي الأستاذ.
................................................................
لم يمض الكثير من الوقت على تواجده بالميناء فمجرد حصول تميم على الأوراق المطلوبة انصرف من هناك ليستعيد محرز ضبط نفسه ويخرج للعلن بعد أن كان يختبئ كالجرذان .. اتجه نحو المخرج حيث ينتظره أحد أتباعه المخلصين ممن يقومون بالتهريب مقابل ربح مادي سريع لوح له الأخير بيده مرحبا بهتاف مادح
عمي وعم الناس كلها
لوى محرز ثغره مرددا بسخط طفيف
فين أراضيك يا حاتم أنا افتكرتك بطلت الشغالة ومابقتش محتاج!
هتف نافيا
حد يرفس النعمة بردك يا ريسنا بس كان عندي شوية مشاكل كده ولبخ 
سأله بنظرات قاسېة
حاجة ليها علاقة بشغلنا
نفى حاتم على الفور
لأ خالص احنا في السليم.
تأبط محرز ذراعه وجذبه بعيدا نحو زاوية خالية من البشر ثم أخفض صوته ليقول له
طيب عاوزك في تهريبة خفيفة بس يا تطلعك لفوق يا تجيبك أرض.
ابتسم وهو يقول دون تفكير
معاك يا ريس.
شدد عليه بلهجة لا تمزح
خد بالك دي حاجة مهمة أوي ولو نفع تجيب المدام معاك يبقى زي الفل منها تزغلل عين بتوع الجمارك ومنها لو اتقفشت ماتروحش في توكر إنت بتاعنا وراجلنا.
صمت للحظة في تردد قبل أن يستجمع جأشه ليعترف له
مش هاينفع أجيب الجماعة معايا!
ضغطت أصابع محرز على ذراعه وقست نظراته متسائلا
ليه هي كانت أول مرة ده إنت في جيتها بدل الطاق طاقين يعني مافيش حاجة بتروح عليك
قال موضحا بنزق
أنا طلقت نيرمين من فترة وبصراحة كده كانت وش بومة جايبة لأمي الفقر!
بدت علامات الحيرة والانزعاج ظاهرة على وجه محرز والذي أردف قائلا في استنكار
يا شيخ دي كانت نفعانا في حاجات كتير.
لم يكن مكترثا بضيقه وأضاف مقتضبا
اللي حصل بقى.
فرك محرز طرف ذقنه وقد بدا كمن يفكر في عمق
الليلة دي محتاجة حريم عشان نعرف نعديها.
رد عليه مقترحا
أنا هاتصرف هأجر واحدة من غير ما نديها تفاصيل.
سأله بنبرة مهتمة
عندك اللي يعمل كده
أجاب مؤكدا
أيوه الواد ناصر صاحبي عارف نسوان بعدد شعر راسه.
شدد محرز من قبضته عليه ليحذره مجددا من مغبة التصرف برعونة في هذا الوضع الحرج
احنا مش هنوسع الدايرة يا حاتم الحكاية مش ناقصة شوشرة ده احنا عمالين نقول يا حيطة دارينا كده هتفتح العين علينا وباليزيد.
أوضح له معللا
أنا مش هاقوله حاجة هافهمه إنها عملية تهريب هدوم عادية زي ما بيحصل كل مرة ويشوف واحدة كده من إياهم تساعدني إكمن الشغل كتير هلاوعه!
استغرق محرز لدقيقة في تفكيره يدير الأمر في رأسه قبل أن يمنحه رده النهائي
استنى ماتعملش حاجة غير لما أشور على كبيرنا
تساءل حاتم بقلق وقد بدا في حاجة ماسة للمال
هو ممكن يعترض
رد عليه بوجه يكسوه الجدية
أه طبعا ده كل خطوة بنعملها في شغلتنا دي محسوبة بالورقة والقلم.
.......................................................................
دقات ثابتة على باب المنزل حثت الصغيرة ذات الجديلتين والأعوام الخمسة على التحرك نحوه لفتحه ارتسم على شفتيها ابتسامة طفولية فرحة لرؤية والدها الغائب فردت ذراعيها تدعوه