رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


والحمد لله مافيش ضرر.
تنهدت في ارتياح وهي تجيبه
الحمدلله.
تابع الطبيب حديثه قائلا
هو دلوقتي واخد مسكنات ونايم وعلى الصبح هايكون فاق وتقدروا تتكلموا معاه.
هزت رأسها في تفهم وهي ترد
تمام .. شكرا يا دكتور.
قال مجاملا قبل أن ينصرف
ربنا يطمنكم عليه.
ظلت فيروزة متسمرة في مكانها وقد بدت إلى حد ما شاردة ومستغرقة في أفكار تخصها .. حك تميم مؤخرة عنقه متسائلا في اهتمام ونظراته مرتكزة عليها
أومال هتعملي إيه بعد كده
على ما يبدو أنها لم تنتبه له صمتت مطولا فلوح بيده أمام وجهها قائلا
يا أبلة سمعاني
تقلصت تعبيراتها من حركته تلك وعلقت بتهجم
في إيه
تحدث من زاوية فمه قائلا
بأقولك هو إنتي آ....
لم يتمكن للأسف من إتمام عبارته بسبب صياح رفيقتها المزعج
إيه الأخبار يا فيروزة
نظر لها في ضيق وهي تلاحقها بأسئلتها
آسر عامل إيه دلوقتي كويس ولا جراله إيه
ربتت على كتفها في رفق وأجابت بابتسامة صغيرة حتى تهدأها
اطمني يا علا الدكتور لسه مخلص كلام معايا وقالي حالته كويسة وتمام.
تنفست رفيقتها بعمق لتزيح تلك الكتلة المقلقة الجاثمة على صدرها وقالت بتضرع وهي تضم قبضتيها معا
الحمدلله يا رب.
غمغم تميم مع نفسه في سخط
إيه المبالغة دي هو داسه قطر وأنا معرفش!
بينما رفعت فيروزة أنظارها نحو أخيها الذي جاء بصحبتها وسألته من تلقاء نفسها
إزيك يا ماهر بيه
سألها الأخير بصوت جاد
إيه اللي حصله يا فيروزة
هزت كتفيها في عفوية وهي تجيبه
مش عارفة بالظبط بس الظاهر إنه كان بيعدي الشارع وماخدش باله من العربيات لأن شوفناه مرمي جمب الرصيف والناس حواليه.
حرك رأسه معقبا عليها بلهجته شديدة الجدية
دلوقتي هنتكلم معاه ونفهم بالظبط إيه اللي حصل.
ردت عليه مشددة
لأ مش هاينفع الدكتور قال على بكرة هنقدر نشوفه.
وضعت علا يدها على ذراع رفيقتها لتقول بنبرة ملتاعة وعيناها تحبسان الدمع فيهما
كويس إنك كلمتينا.. أنا هاتجنن بصراحة عليه.
عضت فيروزة على شفتيها مبررة تصرفها في حرج طفيف
ما هو أنا معرفش قرايب ليه وبما إنه عارفكم فأكيد هتعرفوا تتعاملوا.
هزت رأسها في استحسان وكأنها تشكرها على لجوئها إليها لمساعدته في أزمته المفاجأة بينما تحولت كافة الأنظار إلى تميم الذي أشار إلى وجوده حين استطرد هاتفا
شدة وتزول.
ضاقت عينا ماهر بشك وهو يسأله بما يشبه التعالي
هو إنت
لوح تميم بيده بحركة عسكرية مرحبا بالضابط
مساءك فل يا باشا
قال باقتضاب وترفع
أهلا..
أشار تميم بيده إلى صدره متابعا
أنا اللي لفحته على كتفه وجيبته هنا على فكرة.
التفتت علا نحوه لتشكره ببسمة متكلفة
ميرسي على تعبك. 
رد عليها بفتور
مافيش فيه حاجة خطېرة هيعدي منها على خير يا أستاذة.
اكتفت بهزة خفيفة من رأسها قبل أن تنظر ناحية شقيقها لتطلب منه برجاء كبير
عاوزين نطمن عليه ونشوفه يا ماهر بليز خليهم يوافقوا ندخله.
استسلم أمام إلحاحها فقال على مضض
حاضر.
شعرت فيروزة أن وجودها لم يعد مجديا بالإضافة إلى تأخرها كثيرا في العودة إلى منزلها وحتما ستقلق والدتها لذا تشدقت قائلة
طيب أنا هستأذنكم هامشي دلوقتي مش هاينفع أقعد أكتر من كده وفي البيت قلقانين عليا.
ردت عليها علا وقد تفهمت أسبابها الشخصية
مش عارفة أقولك إيه يا فيروزة وجودك فرق معاه حقيقي.
ابتسمت وهي ترد
ربنا يقومه بالسلامة.
اقترح عليها ماهر بلباقة
تحبي أوصلك
اعتذرت بتهذيب
المشوار مش بعيد ولا حاجة يا ماهر بيه خليكوا إنتو مع الأستاذ آسر وإن شاء الله يبقى كويس.
تضرعت علا مرددة في رجاء
يا رب.
حافظت فيروزة على ابتسامتها المرسومة على شفتيها وقالت
هاكلمك آخر النهار يا لولو.
ردت وهي تومئ برأسها
أوكي.
تبادلت الاثنتان القبلات على الوجه لتعلق بعدها فيروزة حقيبتها على كتفها اتجهت بخطوات شبه سريعة إلى الدرج لتهبط عليه ولكن استوقفها تميم الذي لاحقها مناديا
يا أبلة..
استدارت لتنظر نحوه بوجوم
خير.
مرر يده على رأسه في ربكة ظاهرة نسبيا عليه وقال مقترحا عليها بأسلوب جاهد ليبدو لطيفا للغاية 
أنا رايح على الدكان ممكن أوصلك في سكتي لو مش هيضايقك.
نظرت له بغرابة قبل أن ترد معتذرة
شكرا هاركب من على أول الشارع.
وكأن برحيلها يصيبه فارغا عجيبا فأصر عليها ممازحا
يا ستي الطريق واحد اعتبريني تاكسي لو ده يريحك.
التزمت برفضها وعلقت عليه
مش هاينفع.. عن إذنك!
لم تتمهل في خطواتها وهي تهبط الدرجات سريعا لتختفي من أمامه تباطئ تميم في سيره مرددا لنفسه بما يشبه المدح وملامحها القريبة المليئة بالتفاصيل المشوقة قد باتت محفورة في ذاكرته
دماغك حجر .. بس بنت بلد وجدعة. 
.........................................................................
على الأريكة المريحة أمام شاشة التلفاز العريضة جلست خلود بشرود واجم تحدق بعينين غير مكترثتين المشاهد المتتابعة التي تعرض أمامها حادثتها خالتها لأكثر من مرة وكأنها ترغب في مشاركتها التعليق على الأحداث لكنها ظلت صامتة تسرح في عالم خاص بها انتبهت لها ونيسة واعتدلت في جلستها لتسألها مباشرة ونظراتها مثبتة عليها
مالك يا خلود مضايقة من إيه
زفير مهموم خرج
من جوفها قبل أن ترد باقتضاب
مافيش.
أثارت في نفسها الشكوك بردة فعلها الحزينةة التي تحمل الكثير من الدلالات المقلقة لذا أصرت عليها علها تنجح في سبر أغوارها
إزاي مافيش هو أنا عامية مش شايفة شاكلك عامل إزاي
نكست خلود رأسها لتبدو أكثر حزنا واستندت بوجهها على راحة يدها دون أن تنطق فتثير من فضول خالتها تحركت الأخيرة من مكانها لتجلس إلى جوارها مسحت برفق على كتفها وجانب ذراعها ثم قالت
قولي يا حبيبتي في إيه اللي حصل
حاولت أن تستدعي عبراتها لتحجزها في محجريها وهي تجيبها
أنا حاسة إن تميم واخد جمب مني.
قطبت ونيسة جبينها متسائلة في قلق
ليه بتقولي كده 
استرسلت مستفيضة في توضيح أسباب استيائها
معرفش.. بس من ساعة ما جيت هنا وهو زي ما يكون مصدق طول النهار برا لا بيجي ياكل ولا حتى بيعدي يسأل عليا..
قصدت أن يظهر صوتها مخټنقا وهي تكمل شكواها
ويدوب لو جه يغير هدومه آخر يوم بينزل تاني على طول..
اڼفجرت باكية لتواصل حديثها بصعوبة فتقنع من يصغي إليها
ده أنا مابلحقش أشوفه ولا اتكلم معاه زي ما أكون غريبة عنه ده غير إنه قاصد يبات برا وأنا زعلانة منه بصراحة هو أنا مش مراته ومن حقي أقلق عليه!
ربتت مهونة عليها حزنها وقالت بنبرة مواسية
يا عيني يا بنتي .. كل ده شيلاه في قلبك وساكتة.
أخفت عينيها الباكيتين عنها براحة يدها وعللت بلؤم
ما أنا خاېفة اشتكي تزعلوا مني.
ردت عليها خالتها بحزم وقد بدت داعمة لها
لا مالوش حق إنتي مراته مش حد غريب أنا هاكلم عمك بدير وهاخليه يشد عليه.
رفعت أنظارها نحوها ثم ادعت النحيب وهي ترجوها بأسلوب ماكر خبيث
لأ بلاش يا خالتي تميم يزعل مني إكمني اتفكيت معاكي بكلمتين.
ابتسمت تقول عن ثقة وقد سقطت بسذاجة في فخها البسيط
مټخافيش مش هاجيبله سيرة أنا أمه وليا لي كلام معاه والليلة هايكون في حضنك.
على الفور احتضنتها في امتنان زائف وهي تشكرها
ربنا ما يحرمني منك يا خالتي.
تراجعت عنها الأخيرة لتنظر إليها وهي تكفكف عبراتها ثم قالت بوداعة
ده إنتي غالية عندي..
وربتت على كتفها مجددا قبل أ تداعبها في ود
شوفي الضحكة نورت في وشك إزاي.. ربنا ما يجعلها تفارقك
تنهدت معقبة عليها
يا رب يا خالتي.. يا رب.
أتت شكواها بنتائجها المرجوة فحين حل المساء كان تميم عائدا بصحبة أبيه إلى منزل الأخير ليقضي ساعات الليل به بالطبع تلقى توبيخا لا بأس به من أبويه ولم يبرر لهما تصرفه في الانزواء عن زوجته كان كعادته يبقي ما يخصه سرا لا يبوح به لكائن من كان .. ولج إلى غرفته بتباطؤ أزاح سترته عنه وأسندها على المشجب ليلتفت نحو زوجته التي باغتته باحتضانه وضمھ إليها بدا كالصنم للحظة من المفاجأة غير المرغوبة لم يحاول حتى محاوطتها تجمد في مكانه وهي تقول له باشتياق
وحشني حضنك أوي.
أبعدها عنه برفق ليقول ببرود واضح في نبرته ونظراته إليها
أنا لسه ماصفتش من ناحيتك.
غالبت غيظها من قساوته وسألته بنبرة مستكينة تدعي من خلالها براءتها
وهو أنا غلطت في إيه يا حبيبي
أجابها بما يشبه الھجوم
إنك تخبي عليا حاجة ولا تستغفلني ده أنا مقبلوش!!!!
عادت لتضمه واستندت برأسها على صدره معتذرة منه بصوتها النادم
حقك عليا أنا عمري ما أقدر أزعلك إنت حبيبي وبس.
مل تميم من سماع مثل تلك العبارات المستهلكة خاصة أنها لم تكن تلامس مشاعره ولم يصل مضمونها الصادق إليه أزاح ذراعيها عن جسده وتحرك نحو الدولاب ليأتي بملابسه تبعته مختلقة المزيد من الأكاذيب
إنت عارف هيثم أخويا مستهتر ومابيهموش حد وإنت أكيد اتكلمت
مع أمي وقالتلك على عمايله أنا نفسي حاله يتصلح.
دمدم مع نفسه بصوت خفيض ظن أنها لن تسمعه
ما جايز تكونوا مطبخينها سوا الله أعلم بنواياكم!
انقبض قلبها مما التقطته أذناها ورددت والخۏف يكسو تعبيراتها
نعم.. مش فهماك
الټفت ليواجهها قائلا وتلك النظرة المتشككة تملأ حدقتيه
شوفي أخوكي فيه كل العبر بس سكة المنشطات دي غريبة عليه ومالوش فيها.
لعقت شفتيها واستطردت مدافعة عن كذبتها
إنت.. بتقول إيه يعني .. أنا هاكدب
لوى ثغره مرددا بجمود
الله أعلم..
وحدث نفسه في شك دون أن يبعد نظراته النافذة عن وجهها المرتبك في تعبيراته
مسيرى هسأله في مرة.
استندت خلود بيدها على ضلفة الدولاب وقد شعرت بدوار عجيب يلف رأسها ترنحت في وقفتها وقالت وهي تضع يدها على جبينها
مش عارفة مالي.. أنا دايخة كده.
علق تميم في تهكم وهو يبتعد عنها
ما إنتي كنتي زي القردة من شوية.
ردت بأنفاس مضطربة وهي بالكاد تحاول الوقوف ثابتة
لأ.. مش قادرة أقف على حيلي.
دقق النظر في هيئتها لم تكن طبيعية بالمرة عاد إليها وعاونها على السير ليمددها على الفراش تأوهت أكثر من التعب ألقى نظرة حائرة عليها ثم قال
استني أشوفلك برشام ولا حاجة في الدرج.
فتح الكومود الملاصق لفراشه فوقعت عيناه على منديل الرأس والمشبكين تلبك بشكل متوتر وأغلقه على الفور سلط أنظاره القلقة على زوجته المستلقية في حالة من الإعياء محدثا نفسه
دي لو شافتهم هتقلبها حريقة.
تنحنح يقول لها
مافيش هنا أنا هاطلع أشوفلك دواء يناسبك عند أمي.
ردت بوهن وبصدر متهدج
ماشي.. يا حبيبي.
خرج تميم من الغرفة وخلود تتطلع إليه بنصف عين وما إن اختفى حتى اتسعت حدقتاها وزفرت كتلة من الهواء دفعة واحدة وكأنها تخلص من شيء يجثم على أنفاسها تحسست وجهها المتعرق بعرقه البارد قائلة بصوت خفيض
كنت هاتكشف.. ربنا عداها على خير.
لليوم الثاني على التوالي ولم تظهر على الساحة اكتفت بمكالمة عادية لرفيقتها لتطمئن منها على وضعه دون القيام بأي زيارة استثنائية له مبررة بأنها المسئولة حاليا عن إدارة المحل في غياب صاحبته التي تفرغت للبقاء بجواره.. ظهرت علامات الإحباط واضحة على وجه آسر ورغم تعافيه قليلا إلا أن انزعاجه كان واضحا حاولت علا تسليته فاقترحت عليه
تحب أجيبلك شطرنج أنا عارفة إنك بتحب تلعبه أنا ممكن أغلبك كمان و..
قاطعها في فتور
لا ماليش مزاج.. أنا عاوز أفضل كده.
ضمت شفتيها بيأس وصمتت لتراقبه في صمت حملق آسر في الفراغ مستعيدا في ذاكرته مشهد تشجع قليلا ليسألها بأسلوب مراوغ
مافيش حد سأل عليا
هزت رأسها بالنفي وهي ترد
لأ..
ابتسم قائلا