رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


بعيدا عنها لتزيح يدها من على كتفها والتفتت نحوها لتواجهها واستطردت ملقية بسيل من التهم الحانقة عليه
وبدل ما يقف جمبي يهون عليا اللي حصلي رميني خالص وشاغل عقله باللي خربت بيتي ...
سكتت للحظة لتثبط من اضطراب أنفاسها المخټنقة ثم كزت على أسنانها معاودة لومها له بعينين ناريتين
تلاقيه دلوقتي بيفكر يتجوز من تاني ويعيش حياته وإياكش أنا أولع
اعترضت عليها هاجر بحذر حتى لا تثور ثائرتها مجددا
أنا مش معاكي يا خلود تميم مش كده!!
نظرت لها ابنة خالتها بعدائية في حين أكملت موضحة لها
ولا عمره بتاع بنات ممكن أصدق أي حاجة عليه إلا كده لا دي كانت أخلاقه ولا تربيته.
علقت عليها بنظرات جامدة وقد توقفت عن ذرف الدموع
إنتي مش عارفة حاجة.. طيبة زي تملي يا هاجر أنا بأموت كل ثانية وهو مش جمبي فيها حسي بيا يا هاجر ده احنا بنات زي بعض.
هزت رأسها في تفهم ثم انخفضت نظراتها نحو يد خلود التي قبضت على رسغها ضغطت عليها الأخيرة بقبضتها ورجتها بما يشبه التوسل
أنا عاوزاكي تساعديني أرجعه.
حملقت فيها باندهاش مليء بالغرابة وسألتها بتردد
إزاي
تعمدت خلود التهاوي بساقيها لتركع قبالتها على ركبتيها رفعت أنظارها المغلفة بدموع تنجح دوما في استدعائها حين حاجتها إليها لتتسول عواطف الآخرين انتحبت بصوت مرتفع واستعطفتها بصوت ذليل
عشان خاطري يا هاجر اقفي جمبي ماترفضيش بالله عليكي.
حاولت الأخيرة سحب يدها من بين أصابعها التي تشدها وفي محاولة
يائسة منها لإجبارها على النهوض تمكنت هاجر من إيقافها ثم ردت عليها بقلة حيلة
وهو أنا في إيدي حاجة يعلم ربنا مقطعاه تقريبا وعمالة ألومه في الرايحة والجاية.
لهج لسانها وامتزج عبراتها بمخاط أنفها وهي تزيد من ضغطها عليها برجائها الملح
خليه يرجعلي أنا بأموت من غيره وحياة ابنك سلطان اتكلمي معاه قوليله مراتك بتحبك مراتك مستعدة تسامحك بس يردني ليه إن شاءالله أكون خدامة تحت رجليه.
تفاجأت هاجر من حالتها التعيسة بدت لوهلة مصډومة من وضعها اعتبر ما تمر به يقطع نياط القلوب ويدفعك للتعاطف مع ظروفها غير العادلة بسبب إخلاصها الشديد وتفانيها في حبها هزت رأسها بالموافقة قبل أن تؤكد لها علنا ودون إعادة تفكير
من غير ما تحلفيني بيه أنا هاعمل اللي عليا وربنا يقدم اللي فيه الخير.
برزت ابتسامة امتنان باهتة على محياها واكتفت بعدم إضافة المزيد عل إلحاح من حول تميم والإشارة لبؤسها الموجع وقهرها المفطر للقلوب يعيده إليها.
.......................................................
أصغت لأكاذيبه والترهات التي لم يتوقف عن الثرثرة بها منذ لحظة عودته إلى المنزل مدعية تصديقها له لكن حدسها يؤكد لها النقيض لم تبتسم وبدا وجهها خاليا من أي تعبير غريب بل على العكس قالت له بنبرة عادية وكأنها تهتم لأمره
الله يكون في عونك يا خويا غير هدومك كده وروق على نفسك.
مسح خليل عرقه الزائد المتصبب على جبينه بمنديل قماشي مصنوع من القطن لعق شفتيه وتابع كذبه
والله يا حمدية الواحد بيتعب جامد في شغله نفسي أسيب الهم ده كله وأركز في الدكان الجديد.
ببرود مريب قالت له
وماله يا خليل شوف المصلحة فين وأعملها.
ابتسم مضيفا
تسلمي يا أم العيال..
ثم تنهد في تعب وأكمل وكأنه يوضح لها باقي روتينه
هاخش الحمام أخد دش لأحسن جسمي معفر من الطريق وبعد كده هاقعد معاكي إنتي والعيال وآخر النهار هنزل عند آمنة اعرف منها الجديد.
علقت بكلمات موحية أظهرت التوتر على ملامحه
الجديد كله عندي.
ابتلع ريقه وسألها
قصدك إيه
أجابته بنفس الهدوء المربك له
متخدش في بالك يا خليل..
وأشارت له بيدها حين تكلمت مضيفة
ابقى شوف السخان حرارته عالية ولا لأ.
حرك رأسه بإيماءة صغيرة وخطا في اتجاه الحمام مكملا حديثه له بما يشبه الوعد
لما ربنا يفرجها معانا هنبقى نجيب سخان غاز نركبه بدل التعبان ده.
قالت بوجه جامد التعبيرات
إن شاء الله ..
رافقته حمدية بنظرات غريبة توحي بنوايا غير بريئة مطلقا وما إن اختفى في الداخل حتى توعدته
قالوا للبومة كام مهرك قالت 10 بيوت خړاب وأنا هاخربها عليك يا خليل لو طلعت متجوز عليا!!
.......................................................
سكونها كان ظاهريا لكن بداخلها كان كل التخبط الذي لا يمكن تخيله ما رفضته وأصرت على عدم القبول به لكونه يجبرها على اختيارات لا تروق لها اليوم ترتضي به وبخنوع يناقض شخصيتها المتمردة على ما هو عقيم. أشاحت برأسها للجانب بعد أن اكتفت من التطلع لزرقة المياه المغرية وعادت لتطلع إليه بابتسامته المنمقة وهيئته اللبقة لم تمس فيروزة كأس مشروبها البارد والذي تحول للسخونة بفعل حرارة الجو واحتفظت بصمتها المغلف بابتسامة مرسومة بعناية خلال محادثة آسر لها في نفس المطعم الذي اجتمعت به توأمتها مع زوجها وأقربائه .. يا للسخرية! الزمن يعيد نفسه مع فارق أنها تجلس كعروس مستقبلية لشخص لا تكن له أي مشاعر ولا تشعر نحوه حتى بقدر من الانجذاب .. انتفاضة منزعجة سرت ببدنها وقد تجرأ مضيفها على لمس كفها المستريح على الطاولة سحبته سريعا للخلف في صرامة وتحفظ أسندته في حجرها لتمنعه من تكرار الأمر وعلى عكس ما توقعه بدا آسر هادئا
لم يظهر على تعابيره المسترخية أدنى تغيير احتجاجا على جمودها المتشدد معه تركزت نظراتها المحملة بالكثير على وجهه عندما سألها
تحبي ننزل امتى ننقي الشبكة 
ردت بهدوء وتاركة لها حرية الاختيار وكأن الأمر لا أهمية له لديها
الوقت اللي يناسبك.
استند بمرفقيه على الطاولة بعد أن أبعد فنجان قهوته بادلها النظرات المهتمة وقال
أنا معاكي في اللي تختاريه يا فيروزة.
تنهيدة بطيئة لفظها من جوفه ليكمل بعدها
بس أتمنى نخلص كل حاجة بسرعة إنتي عارفة بعد كتب الكتاب لازم أسافر عشان أرتب للإقامة بتاعتك وبعد كده أبعت أجيبك وآ..
أعطته جوابا صريحا
هسأل ماما وأرد عليك.
أومأ برأسه معقبا عليه وابتسامته ما تزال تحتل شفتيه
تمام ..
ساد الصمت من جديد وعادت فيروزة لتدير رأسها بعيدا عنه وتحدق في أمواج البحر المتقلبة في فترة وجيزة تبدلت الأمور عليها ما بين سعيها لإقامة مشروع شبابي يدر عليها المال وبين معاناتها لحړق حلمها وبيعه بسعر زهيد ليتبع ذلك إذلالها بين الأقرب إليها وأخيرا تجربة الحبس المهينة لمحات غير مضيئة مرت بحياتها أضفت المزيد من السواد عليها انتشلها آسر من استغراقها في تفكيرها المرهق لروحها نظرت إليه مرة أخرى وقد استطرد متجاذبا معها أطراف الحديث
أنا عاوز أسألك في حاجة بس متردد شوية.
سمحت له قائلة
اتفضل.
سألها بصراحة ونظراته الحذرة تدور على ملامحها لتلاحظ ردة فعلها
هو إنتي زعلانة عشان مش هنعمل حفلة للخطوبة أو حتى للفرح أكيد إنتي بتحلمي بليلة مميزة زي أي عروسة وده طبيعي.
بمنطقية بحتة أجابته ودون أن تتأثر تعبيراتها
إنت هاتكون مش موجود أعتقد مافيش داعي ليه الفرح مش هايكون ليه لازمة من غير وجود العريس.
كانت محقة في رأيها وأيدها مدعيا حزنه
فعلا.. اللحظة دي مهمة عندي زي ما هي عندك بس أنا أوعدك هاعوضك.
حركت شفتيها لتظهر ابتسامة مجاملة بينما أخبرها آسر وهو مسبل عينيه نحوها
فيروزة أنا عايزك تتأكدي إنك هاتكوني أكتر واحدة سعيدة معايا.
ظلت ابتسامتها المصطنعة كما هي على ثغرها وهي ترد
إن شاءالله.
أرجع ظهره للخلف واعترف لها بحماس
الصراحة متوقعتش إني أقع في الحب بسرعة كده ومن أول لحظة شوفتك فيها مع علا.
تنحنحت بخفوت ورمشت بعينيها قبل أن تتشجع لتبوح له
أنا حابة أكون صريحة معاك أنا لسه مش حاسة ناحيتك بحاجة دلوقتي يعني بأقدرك وأحترمك جايز مع الوقت آ...
قاطعها بشكل مفاجئ
أنا مش مستعجل المهم نكون سوا يا حبيبتي.
قطبت جبينها وضاقت نظراتها في استنكار فاستأذن منها وهو يبتسم
اسمحيلي أقولك يا حبيبتي.. 
اعتذرت منه بجدية بائنة في قسماتها وكذلك نظراتها
ممكن ماتقولهاش غير لما تبقى العلاقة بينا رسمية ده أفضل.
اعترض بلطف
أنا عارف كلها كام يوم وهنكون سوا بس مش قادر أستنى أنا مچنون بيكي.
تحرجت من اعترافاته الهائمة بها لم تعتد على مثل ذلك فتجنبت الخوض معه في جدال ربما سيسير في اتجاه حميمي أكثر إن استمرت في الاعتراض عليه وللمرة الأولى امتدت يدها وتناولت الكأس بللت جوفها بالمشروب الطبيعي المنعش وسألته بعدها
إيه اللي عجبك فيا أنا عادية جدا معنديش حاجة مميزة في مليون بنت غيري تقدر تتقدملها وأكيد ظروفهم أحسن مني.
صمت لبرهة وعيناه مثبتتان على وجهها وكأنها تدرسانه ليقطع سكوته اللحظي معترفا لها بصدق وإن كانت نواياه خبيثة
لأنك يا فيروزة مختلفة عن أي حد عرفته.
.....................................................................
على الجانب الآخر جلست همسة مع والدتها على طاولة ثنائية وإلى يسارهما جلست حمدية بصحبة زوجها على طاولة منفصلة ركزت الأولى كامل انتباهها مع توأمتها وخطيبها بدت سعيدة للتجاذب اللطيف بينهما وإن كان خاليا من أي حماس لكنه مرضي للطرفين مالت نحو والدتها ليبدو صوتها
مسموعا إليها وهي تقول لها
حلوين أوي يا ماما شكلهم يفرح القلب تحسيهم لايقين على بعض.
التفتت آمنة لتنظر نحوهما وردت بإيجاز
ربنا يهنيهم.
أراحت همسة جانب وجهها على باطن كفها وتطلعت إليهما بمحبة قبل أن تواصل حديثها
يا رب.. بجد فيروزة تستاهل كل خير.
لم تكن ملامح والدتها بالسعيدة مطلقا فقد رأت جريرة رفض ابنتها الأولي له كخطيب وشعرت بأنها مرغمة على القبول به لتنأى بنفسها من شړ ابن عمها وإن كان يعني ذلك تعاستها دمدمت بأنفاس مهمومة والضيق يكسوها
طول عمرها حظها قليل.
استغربت ابنتها من التشاؤم البادي عليها واعترضت بصوت خفيض 
ماتقوليش كده يا ماما كل واحد بياخد نصيبه وأنا واثقة إن فيرو هتلاقي مع آسر كل اللي كانت بتتمناه.
همهمت بفتور
يا ريت.
استدارت همسة برأسها للجانب الآخر وألقت نظرة على خليل وزوجته كانا مشغولان بتناول الطعام الشهي احتلت الأطباق المليئة بالأصناف المختلفة مساحة الطاولة بالكامل وهذا غير اعتيادي على خالها حيث كان الأخير حريصا كل الحرص على عدم إنفاق ماله إلا في الضرورة القصوى وبمعايير معينة واليوم ينفق بسخاء شديد مطت فمها في دهشة ثم أبعدت نظراتها لتهمس لوالدتها بنوع من التهكم
أومال خالي واخد جمب مع مراته ليه مش بعوايده يدلعها كده جايبلها أكل غالي وحلويات وعصاير ده يتحسد.
بدت غير مبالية وهي تجيبها
جايز بيعوضها عن غيابه.
لم يكن بالرد المقنع فكتفت ساعديها وتساءلت باهتمام فضولي
تفتكري!!
ڼهرتها والدتها عن التدخل فيما لا يعنيها مشددة عليها بنظراتها وأيضا بنبرتها
مالناش دعوة بيهم هما أحرار.
ثم طردت الهواء الثقيل من صدرها ونطقت بتعب
خلينا نشوف هنعمل إيه بعد كده لسه ورانا حاجات كتير تخص جوازة أختك.
.....................................................
بطيئة كأدهر انقضت الليالي عليه كل واحدة تشبه الأخرى بما فيها من كآبة وأحزان لم يترك نفسه لعقله أرهقه بإغراقه في المزيد من الأعمال المستنزفة لقواه ليعود مساء إلى فراشه غير قادر على الحركة أو التفكير فينام مانعا الأحلام من زيارته .. عكف تميم على مراجعة دفتر آخر بعد أن اكتشف عدم تطابق البيانات والأرقام في الدفتر الأول قارنه بالفواتير المجمعة في ظرف قديم من اللون الأصفر الداكن والتي من