رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


معلوم بالنسبة ل فيروزة تحديدا حيث شددت حمدية على زوجها بعدم البوح لابنة أخته بمسألة الخطبة المزعومة تحت أي ظرف إلا في حضور عمها الكبير ليتولى الأخير تكاليف تلك الخطبة بالكامل وأيضا لتقضي على أي احتمالية لرفضه خاصة بعد التأكد من وضعه المادي المريح.
نفضت فيروزة الغبار العالق بالأغطية الموضوعة على الأثاث في الردهة الواسعة وأعادت طيها تمهيدا لغسلها لاحقا بينما تولت والدتها مهمة كنس الأرضية المليئة بالأتربة وبعض الأۏساخ الصغيرة في حين ادعت حمدية إرهاقها من مشقة السفر وهربت من التزاماتها ولم تقدم يد العون لكلتيهما بل على العكس زادت من إنهاكمها بترك أولادها في رعايتهما ريثما تغفو. تذمرت الأولى من عناء ما تبذله من مجهود منذ اللحظة التي وطأت بها منزلها بالبلدة وقالت بحنق مفهوم
بجد معندهاش ډم يعني هي تعبانة واحنا بصحتنا ما الحال من بعضه وكلنا مهدود حيلنا.
ردت عليها بتنهيدة مرهقة وهي تمسح حبات العرق من على جبينها بظهر كفها
اعتبريه بثوابه يا بنتي.
تنمرت على تساهلها معها وهتفت بحدية
مش كده يا ماما طب تاخد بالها من عيالها يعني حرام بجد كل حاجة فوق دماغنا دي ولا اللي على رجليها نقش الحنة.
كانت تعلم أنها محقة في تذمرها لكنها وعدتها بإنجاز الأعمال وبالتالي سقط كامل العبء عليها تنهدت على مهل ورددت
مش عارفة أقولك إيه!
أضافت فيروزة بضيق تعاظم بداخلها لعدم اتخاذ والدتها أي موقف حاسم حتى في أبسط المسائل
وطبعا هاتقوم من النوم جعانة ولازم تلاقي المحمر والمشمر وآ...
قاطعتها آمنة بنبرة متحمسة علها تخفف من وطأة انزعاجها
من الناحية دي متقلاكيش مرات عمك محلفاني ما أطبخ حاجة هي مجهزلنا وليمة كبيرة.. إنتي عارفة هي بتحبنا.
ورغم حنقها إلا أن التطرق لسيرة تلك السيدة الطيبة جعل ملامحها تلين قليلا فهتفت تثني على صفاتها الكيسة
والله ما في زيها ربنا يباركلها عمرها ما قصرت معانا أبدا.
تحولت نبرة والدتها للأوامر وهي تتابع
يالا شهلي عشان نلم الصالة أوام عشان لسه كومة الغسيل اللي أد كده.
صاحت في غيظ
دي أشغال شاقة مش رحلة أبدا!
ڼهرتها بابتسامة لطيفة
بلاش لكاعة يا فيرو.
تحول وجهها لكتلة من الحمم الحمراء تذمرا على ما قالته وهتفت من بين أسنانها المضغوطة
كل ده وبأتلكع إنت شايف يا رب بأعمل إيه!!!
ختمت فريضتها بخشوع وجلست على مصليتها لبعض الوقت تدعو الله بصلاح الحال ودرأ المفاسد عنها وعن عائلتها. لم تنتبه همسة لزوجها الذي كان يقضم ثمرة التفاح ليسد جوعه المؤقت وما إن رأها الأخير على تلك الوضعية حتى تدلى فكه
السفلي في صدمة فرحة وهتف يسألها عاليا وهو يقترب منها
إنتي بتصلي
نزعت عنها إسدالها وأجابته مبتسمة وبعفوية تامة
الحمدلله هاروح أشوف الأكل اللي على الڼار وآ....
سد عليها الطريق بجسده محتجا وقد ألقى بالثمرة خلف ظهره
مش وقت أكل خالص ده أنا مصدقت إنك بقيتي تمام.
فهمت تلميحه المتواري واتسعت عيناها قلقا شعرت باضطراب عظيم يغزو جسدها بانتفاض حواسها. تراجعت تلقائيا للخلف ورفعت إصبعها أمام وجهه تحذره
بص يا هيثم أنا مش جاهزة اديني وقتي.
حصرت عند الزاوية لا مهرب لها خاصة مع اندفاع زوجها نحوها قبض الأخير على رسغها يسحبها منه ورائه وهو يقول
اشتري وخدي مني مش هتخسري حاجة
قاومته قدر المستطاع متسائلة في حيرة
أشتري إيه
استدار برأسه نحوها يرمقها بنظرات نهمة وغمز لها قائلا
ودي يا هموس يالا يا عسل.
حاولت عرقلة خطواته وإبطاء سرعته محتجة عليه بارتباك كبير
كده مش هاينفع خالص.
أصر عليها بلطافته الزائد
صدقيني هاينفع جربي بس.
ألحت في اعتراضها
لا يا هيثم
عبس بتعابيره موضحا لها بما يشبه المزاح
هموس شوفي البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل
انتشلت يدها من قبضته والغيظ متمكن منها رمقته بنظرة حادة قبل أن توبخه
نعم بضاعة لأ ماسمحلكش إنت كده بتغلط فيا.
تشكل على ثغره ابتسامة عريضة أظهرت نواجذه وقال 
حاشا لله ده إنتي فرز أول يا هموس.
أراح ظهره للخلف وهو مازال محدق بمشبك الرأس الذي بين أصابعه فمنذ انتقاله للإقامة بمنزل أبويه وقد شعر تميم بأنه تخلص من العبء الكبير الذي أضنى قلبه. ابتسم لتصميم الطاووس اللامع في يده انعكس بريقه المغري في حدقتيه فبدا كبلورة سحرية. كان تسليته المؤقتة مجرد التطلع إليه يأخذه لفضاءات خيالية يعايشها بعقله ضمن أحلام يقظته في بعد آخر من الزمن عنه مشبكا تقليديا للرأس. انقضت عدة أيام على انتهاء كابوس زيجته بابنة خالته وإن ظلت رواسب تلك الزيجة الفاشلة تنغص عليه أوقات خلوته فوالدته لا تكف عن لومه ولا عن تذكيره باندفاعه الأهوج لتخريب حياته دون أسباب مقنعة تكفي لإخراس صوت الضمير الحي بداخلها فكل ما علمته منه أنه لم يعد قادرا على إكمال القادم من حياته معها.
بدت ونيسة ناقمة على أنانيته واتهمته بالإجحاف في حق تلك المظلومة البائسة التي تحمل في أحشائها جنينا لا يعرف مصيره بعد. لم يكترث لظنون والدته تركها تحمله الذنب كاملا المهم ألا يعود بأي حال لتلك الشخصية المنفرة. شرد بتفكيره في فيروزة مجددا ورغم ما يكنه الفؤاد من مشاعر تنبض نحوها بقوة إلا أنه كان مؤمنا بعدم وجود فرصة له معها وإن بدت الظروف حاليا مهيأة قليلا. فمثلها يستحق الأفضل أن تكون حياتها الزوجية مع شخص جدير بها لا مع واحد مثله يحمل ماضيا سيحرجها حتما بالإضافة لاحتمالية رغبتها في الارتباط بشخص لم يسبق له الزواج وعلى شاكلتها. بدت لوهلة بعيدة المنال صعبة التحقيق حتى أحلامه رغم بساطتها غلفها الفشل.
شتت تفكيره عنها وألقى نظرة أخيرة على المشبك قبل أن يضعه بمكانه بداخل الكومود. اعتدل في رقدته المسترخية على الفراش حين سمع والدته تناديه من الخارج
الأكل جاهز على تربيذة السفر.
رد تميم وهو يخفض ساقيه
حاضر يامه.
دار حول فراشه وهندم من ثياب العمل التي لم يبدلها بعد ثم اتجه إلى باب الغرفة أدار المقبض وخرج مبتسما ليجد والدته ترمقه بنفس النظرات اللائمة المليئة بالعتاب حافظ على ثبات بسمته وسألها وكأنه لم يفعل ما أزعجها قط
طابخة إيه يا ست الكل
تنهدت قائلة بقنوط ودون أن تخبو تكشيرتها العظيمة
هو حد ليه نفس للأكل ولا
الطبيخ بعد اللي حصل ده الناس في الحتة كلوا وشي!
سألها ببرود أقرب للمزاح
طيب احنا هناكل إيه
لوحت بيدها وهي تجيبه
جبنة وعيش.
هلل في حبور استفزها
رضا
اشتدت قبضتها على ذراعه الذي أمسكت به استطاع أن يرى ترقرق العبرات في مقلتيها وهي تلومه
مش حرام عليك يا ابني ترمي مراتك واللي في بطنها كده
بالطبع لم تتوقف خالته أو ابنتها عن إلقاء كامل اللوم عليه وتبارعت الاثنتان في الظهور بمظهر الضحېة المضطهدة على عكسه هو الظالم الجاحد المتبلد في مشاعره. برفق استل تميم ذراعه من يدها وقال بنبرة متجهمة وقد انقلبت تعابيره للعبوس
أنا راجل مفتري.
انخرطت في نوبة بكاء جديدة مواصلة عتابها
وأخرت الظلم والافتراء ده إيه يا ابني خاف ربنا وخاف من دعوة المظلوم.
كور تميم قبضته في ڠضب بدأ في الاندلاع بداخله شعر بصدره ېحترق من كم تلفيق الحقائق لخداع والدته الساذجة والتي على الفور اتخذت موقفا معاديا له. الټفت نحوها ليرمقها بنظرة قوية صارمة قبل أن ينطق بجفاء
يا ستي هي تستاهل الأحسن مني ولما تخلص عدتها تبقى تتجوز معنديش مانع.
اتسعت عيناها في صدمة وضاعفت من لومها له قائلة
للدرجادي عاوز الغريب يربي ابنك ولا بنتك
هتف محتجا وقد انتفضت عروقه الغاضبة بقوة
ومين قال كده اللي في بطنها هيتربى معايا مش هاسيبها لل......
تدارك لسانه قبل أن ينعتها بكلمات نابية ونفخ في حنق ليثبط ثورته ثم صحح على عجالة
مش هاسيبوه ليها يامه.
عادت لتلومه بشدة ضاغطة على أعصابه المستثارة
وكمان عايز تحرم أم من ضناها إيه الجبروت ده
لا إله إلا الله!!!!
أدرك تميم أن والدته تدفعه للخروج عن شعوره بدفاعها المستميت عن تلك المرأة غير المؤتمنة لوهلة لام نفسه لأنه أخفى الحقيقة عنها لكنه قطع العهد على نفسه ألا يجعل من شخصه أضحوكة بالتطرق لما يخص أسرار الحياة الزوجية في غرف النوم المغلقة وتصبح خصوصياته مباحة لألسن العامة. أبعد عينيه اللاتين تقدحان بالشړ وقال بصوت مخټنق
بأقولك إيه يامه أنا نازل ..
سألته على مضض وكأنها تؤدي واجبها الأمومي فقط
والأكل
رد بتبرم ويده تستريح على المقبض
ماليش نفس.
لم تكترث له وقالت
اللي يريحك.
انزعج من معاملتها الجافة معه وانصرف كابتا غضبه المشتعل ليهبط الدرجات عدوا فلا داعي للتشاجر مع والدته وهي تجهل كافة الحقائق المؤسفة وإلا لأحدثت القطيعة مع شقيقتها الحرباء الخبيثة. استوقفه رنين هاتفه عند مدخل البناية أخرجه من جيبه وحدق في اسم المتصل دون تردد أجاب متصنعا الهدوء
أيوه يا منذر لا أنا تمام خير في حاجة
أتاه صوت الآخر قائلا بلهجة شبه جادة
كل خير أنا بأتصل أعزمك على كتب كتابي.
تعقدت تعابيره مرددا في اندهاش متعجب 
كتب كتابك
ضحك منذر متابعا
أيوه يا عم تميم.
لاحقه الأخير بسؤاله
وده إزاي حصل مش احنا كنا مع بعض في فرح الواد هيثم
زفر منذر الهواء دفعة واحدة قبل أن يوضح
كل حاجة جت بسرعة.
رد في استحسان
وماله.. خير البر عاجله.
دعاه رفيقه مشيرا لمدى عمق صداقتهما
وبعدين إنت مش محتاج عزومة يا تميم ده إنت صاحب بيت.
علق يمدحه في فخر
طبعا يا أبو الرجولة ده إنت أخويا وعشرة عمر ومتأخرش عنك أبدا.
شكره بابتهاج
حبيبي يا تيمو.
واصل تميم القول وطيف خلود المزعج يلوح في مخيلته
وربنا يتمملك على خير المهم تكون بنت ناس وأصلها طيب أوعى المظاهر تخدعك مش عايزين حد يكدرك بقية حياتك كفاية الخبطة الأولى.
ضحك عاليا ليرد بعدها بصعوبة
من الناحية دي اطمن أخوك ناصح.
ابتسامة باهتة احتلت شفتيه وهو يعقب
على خيرة الله.
أضاف منذر بصوته الجاد ليؤكد عليه
أنا هابعتلك العنوان عشان احنا عاملينه عند قرايب الجماعة.
نظرة شاردة مهمومة ألقاها تميم على العلية ربما في دعوته
وسيلة جيدة للهروب من الضغوطات التي تحاصره بها والدته تنهد يقول حاسما أمره
إن شاءالله يكون في المريخ.. أنا جايلك !!
الفصل الحادي والخمسون الجزء الأول
أصرت على تبديل ثيابها المنزلية العادية بأخرى أكثر ملائمة تصلح لليلتها المؤجلة انتظر هيثم على جمرات متقدة متلهفا لرؤية زوجته الفاتنة وتعمدت الأخيرة التباطؤ في الخروج من الحمام لإكساب نفسها المزيد من الثقة والتغلب على الرهبة الغريزية الخاصة بتلك الأمور الحميمية. طال غيابها وضجر العريس المتلهف من كثرة الانتظار فتخلى عن رقدته المترقبة بالفراش ليذهب إليها عند الحمام دق بابه متسائلا بأنفاس جاهد لتبدو أقل حماسا
هموسة إيه يا حبيبتي إنتي هتباتي جوا
أتاه صوتها معتذرا
سوري.. إديني وقتي وهطلعلك.
احتج على مماطلتها مرددا بتبرم مازح
وقتك إيه بس.. ما أنا قاعد على الدكة بقالي كذا يوم .. 
رفع يده استعدادا لطرق الباب مجددا لكن قبل أن تصل يده للكتلة الخشبية فتح من تلقاء نفسه وأطلت عروسه الجميل بثوب حريري من اللون الأبيض غطى كامل جسدها كما كان مكشوفا بشكل يحفز المشاعر الكامنة على التحرك. توهجت عيناه بمزيد