رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


كده! إنت بتغلط فيا 
نفى دياب بنبرة صارمة
لأ يا حاج..
صمت لهنيهة ليضيف بعدها بما يشبه الاستحقار
أنا كلامي مع البأف ده!
تركزت عيناه بالكامل على آسر والذي تحولت تعابير وجهه للاحتقان من إهانته بهذا الشكل السافر. التوى ثغر دياب بابتسامة باردة مستفزة وقال مواصلا استهزائه به
الهلومة اللي إنت فيها دي أونطة.
ڠضبا عظيما زائفا استبد ب آسر وهو يرد
أنا كلامي مش معاك يا كابتن..
استشاطت نظرات دياب واتخذ وضعية الانقضاض عليه لهذا عدل عن مناطحته فلا جدوى من إثارة المتاعب معه والټفت يخبر خليل بقليل من الشهامة المقنعة متخيلا بذلك أنه يستدعي رجولة حقيقية لا يمتلك منها أدنى ذرة 
ولولا إني عامل خاطر ليك يا أستاذ خليل كنت رديت جامد وقلبت الدنيا بس أنا بأفهم في الأصول.
شعر محدثه بوجود خطب ما حتى احترامه لم يكن مقنعا هناك شيء مريب يلوح في الأفق تحيز تميم ومن معه ضد نسيبه الجديد لم يأت من فراغ هناك حلقة مفقودة في الأمر لذا تساءل خليل بجدية عله يحصل على رد منطقي
أنا مش فاهم حاجة.. هو إنتو اشتبكتوا مع بعض ليه أصلا
لم يمتلك دياب الرد المبرر فقد تصرف بناء على ما رأه من التحام جسدي وليس بناء على حكمة وروية في حين أجابه آسر متهربا بزفير منزعج ونظراته مثبتة على وجه تميم المخضب بحمرته الغاضبة
خلاص يا أستاذ خليل بعدين نبقى نتكلم...
ثم سحبه بعيدا عن كليهما وأكمل حديثه بغموض
أنا مضطر أمشي دلوقتي.
سأله خليل باستغراب شديد
طب والجماعة اللي مستنين جوا.. هاقولهم إيه
بلباقة معهودة فيه والتي يجيد إظهارها بالرغم من إذلاله قبل قليل أجابه
اعتذرلهم بالنيابة عني أصلا في ظرف طارئ خاص بالشغل عندي ومحتاجين وجودي ضروري.. ومش هاينفع اتأخر.
سأله خليل بتوتر
مشاكل يعني
مال على جانب رأسه ليهمس له في أذنه
حاجة ليها علاقة بالتأشيرات .. ولازم أكون متواجد بنفسي عشان تتحل.
شحب وجه خليل قليلا ولعق شفتيه مهمهما
ربنا يستر .. أنا مش عارف أقولك إيه
هز رأسه في تفهم وقد انطلت عليه خدعته ليعقب بعدها
أكيد إنت فاهم الوضع.
زم شفتيه متابعا قوله
أنا عارف ومقدر بس المفروض كنت هتقابل باقي عيلتنا وآ...
قاطعه آسر بهدوء مظهرا حزنا غير صادق في نظراته
حظي وحش للأسف..
لكن ما لبث أن تحولت ملامحه
لابتسامة مبتورة وهو يكمل
وعموما اللي حصل النهاردة ربط كلام تعارف مبدأي زي ما بتقولوا ولسه قدامنا وقت عشان نتمم الخطوبة ومن بعدها كتب الكتاب.
حرك خليل رأسه في استحسان ليرد بعدها عليه
أكيد إن شاء الله
مد آسر يده لمصافحته وقال بتهذيب لطيف
هستأذنك .. وفرصة سعيدة يا أستاذ خليل.
بادله المصافحة بحرارة شديدة وبابتسامة متسعة ودعه
مع السلامة يا ابني هنتقابل على خير إن شاء الله
أكيد
اصطحبه إلى سيارته التي لم تكن بعيدة عن ذلك المكان المعتم وظل باقيا إلى جواره حتى أدار المحرك وانصرف متجها إلى مخرج البلدة. استدار خليل بعدها بجسده ليتفاجأ بوجود تميم خلفه كان الأخير بحاجة إلى أجوبة حاسمة لما يدور في رأسه خاصة بعد النوايا الخبيثة التي طفت على السطح تجاه الوضيع آسر. تحفز في وقفته ورمقه بنظرة عميقة غريبة تبعث على الخۏف. حاول تميم أن يكبت نفسه لكنه لم يستطع تأهبت حواسه واستنفرت بطريقة مريبة وكأنه يريد قټله للتفريط فيها بتلك السذاجة المهلكة تنفس بعمق مانحا جوارحه لحظات من ضبط النفس قبل أن يسأله مباشرة ودون مقدمات تمهيدية
إنت هتجوز قريبتك للبني آدم ده
ورغم غرابة السؤال على مسامع خليل بالإضافة إلى علامات الاندهاش المرسومة على قسماته إلا أنه أجاب بوضوح
أيوه يا معلم .. في اعتراض ولا حاجة
دنا منه خطوة أخرى حتى باتت نظراته القاتمة تستحوذ كليا عليه أرهبته تقريبا من التهابها البائن ثم لاحقه مستفسرا وأسوأ الأفكار عن شخص آسر المقيت تهاجمه الآن
سألت عليه كويس
بلع ريقه وأجاب
طبعا.. إنت مفكرني هارمي بنت أختي في الشارع يا معلم!
لا يعرف كيف لم يحكم السيطرة على لسانه الذي لم يطاوعه وسأله بنزق وكأنه يفتش عن أمل أخير في أطلال حبه البائس
وهي موافقة عليه
لحظة استغرقها خليل في التفكير لينطق بعدها بما آلم الفؤاد ومزقه
أيوه أومال عاملين الأعدة دي النهاردة ليه
وخزة قاټلة أخيرة اخترقت قلبه المټألم لتقضي نهائيا على حلم لم يتجاوز طيات الخيال لذا لم يكن أمامه إلا أن يحذره بوجوم أخفى خلفه ما يسري في بدنه من قهر عظيم
طب خد بالك منه! 
سأله في حيرة
ليه
لم يمنحه ما يشبع توق فضوله وكرر عليه بلهجة الصارمة
من غير ما تسأل .. اسمع الكلام!
تدخل دياب في الحوار معلقا
طالما المعلم تميم قالك كده يا حاج يبقى ما تناقش!
وزع خليل نظراته بين الاثنين فرأى استعدادا جليا لإشعال فتيل معركة شرسة حتما لن تنتهي على خير تنحنح في توتر أكبر واستطرد ملطفا
واضح كده إن في سوء تفاهم مع نسيبي الجديد ده محامي محترم وآ...
اشمئز تميم من الإصغاء لما يخص سيرته وهتف مقاطعا بلهجة مماثلة لتلك الخشنة التي يتعامل بها مع الأوغاد
مش هارغي كتير.. حافظ على أهل بيتك! سامعني
ما كان منه إلا أن رد بخنوع
تمام يا معلم.
في تلك اللحظة يمكن أن تتبين مدى الألم الذي يطل من عيني تميم كمدا على خسارته المحتومة فلم يعد الأمر مجرد زيجة جيدة تليق بها لكن بات مصيرا مؤسفا يحيق بحياتها ووحده من يدرك ذلك ..!!!!!
الفصل الثالث والخمسون
ما زالت تحتفظ بتلك الخصال المخادعة في اكتساب تعاطف الآخرين معها خاصة من لا يعرف حقيقتها المؤسفة ذرفت العبرات الحاړقة وهي تحاول تكوين جملة واضحة من خلال لعثمتها المصطنعة لتبدو أكثر إقناعا لها أفرغت ما يزيد عن نصف علبة المناديل الورقية الموضوعة بحقيبتها لتمسح دموعها الغزيرة التي أغرقت وجهها وذلك المخاط المتسرب من فتحتي أنفها نظرت لها خالتها بإشفاق وأعدت لها مشروب الليمون البارد لترطب به صدرها المحترق لكن ما الذي يشفي جراح القلوب تناولته منها خلود وارتشفت القليل منه قبل أن تستنده على الطاولة أمامها تطلعت إلى ونيسة مجددا بعينيها المنتفختين وأردفت قائلة بنهنهة متقطعة 
يرضي مين أفضل كده أنا صبرت وماتكلمتش بس اللي بيعمله فيا حرام 
أطرقت خالتها رأسها في حرج وقالت بنبرة آسفة 
أنا مش عارفة أقولك إيه يا بنتي وشي منك في الأرض 
اختفى التلعثم من صوتها وجفت العبرات تقريبا من مقلتيها حين مالت عليها لتهمس لها بإلحاح 
يا خالتي كلميه تاني وتالت وعاشر قولي لعمي بدير ما هو في مقام أبويا 
رفعت ونيسة أنظارها نحوها تطالعها بحيرة بماذا تخبرها وقد بذلت ما في وسعها لإثناء ابنها عن رأيه والأخير مصر على رأيه رفت عيناها وعلقت وهي تلعق شفتيها 
أنا عملت ده كله وتقريبا مقاطعة تميم بس هو راكب دماغه ربنا يهديه 
امتدت ذراع خلود نحو كف خالتها احتضنت أصابعها أو بالأحرى أن يقال اعتصرتهم نسبيا وهي ترجوها بنظرات كادت تبرز من عينيها المحتدتين 
طب قولي لجدي سلطان أنا عارفة إن ليه تأثير عليه 
بصعوبة استعادت يدها من قبضتها وردت بتوجس خفيف 
ولو إنه مابيحبش كده بس أنا هاتكلم معاه 
عاد الحزن ليغلف صوت خلود عندما تابعت ببؤس أرادت أن ينعكس في ملامحها أيضا 
يا خالتي أنا لسه قدامي كتير في العدة وده من رحمة ربنا بيا يعني لو كلنا اتعاونا مع بعض وكمان شوية زن عليه هيعرف إنه غلطان وساعتها هنرجع لبعض 
كانت محاصرة بين توسلاتها الملحة وعاطفتها المشفقة على حالها تنهدت ونيسة قائلة بإيماءة من رأسها 
لله الأمر من قبل ومن بعد هاشوف يا بنتي 
ادعت اختناق صوتها وهي تشكو لها التعاسة الأبدية التي فرضت عليها 
وبعدين أنا مش عايزة اللي في بطني يطلع ما يلاقيش أبوه جمبه هو أنا غلطت في إيه يعني جوزي وبحابي عليه بس الظاهر أنا مش مكفية طلباته وده مش عيب لما أقول كده 
انتابتها نوبة أخرى من البكاء اختلطت بصوتها عندما أكملت 
وهو لو عاوز يتجوز تاني وتالت أنا مش ممانعة هاحط لساني في بؤي وأخرس طالما ده هيريحه وأديني ببص لمصلحة العيل اللي جاي المهم أكون جمبه 
كان الشقاء والحزن ظاهران عليها بشكل يجبرك على التعاطف معها ولهذا انخدعت مشاعرها مع ما تبثه لها من هموم وضع ونيسة يدها على كتف ابنة أختها وقالت بنوع من الدعم لها 
لا حول ولا قوة إلا بالله اهدي يا بنتي هو في لسه بنات أصول كده زيك وربنا أنا زعلانة على اللي حصلك هي عين وحشة صابتكم 
مسحت خلود بمنديل ورقي آخر دموعها وعقبت عليها بحسرة 
منهم لله اللي كانوا السبب 
اتجهت أنظار كلتاهما فجأة نحو الصوت المنادي بزمجرة مزعوجة 
ونيسة 
كان الجد سلطان يقف عند الردهة المتسعة ممسكا بعكازه ونظراته غير المريحة مرتكزة على
وجه خلود لم يضف المزيد ولم يرحب بها وكأنه يتجاهل وجودها كانت أمارات الاستنكار والتأفف تنطق على محياه لم تتحرك رأسه حين سألته ونيسة 
أيوه يا حاج أؤمرني 
أبعد عينيه القاسيتين عن نظراتها المراوغة ليتطلع إلى زوجة ابنه وطلب منها بلهجته الآمرة 
اعمليلي قهوة مظبوط 
هزت رأسها في امتثال وهي ترد 
حاضر 
ادعت خلود الإرهاق وهي تنهض من مكانها لتتجه إليه أقبلت عليه منحنية قليلا لتمسك بكفه وتقبله ملقية التحية عليه بتهذيب عجيب 
إزيك يا جدي أخبار صحتك إيه 
سحب يده قبل أن تطالها للخلف ورد بما يشبه الازدراء 
أهلا بخلفة بثينة 
اتسعت عيناها من إيحائه الساخط ومع هذا تجاوزت عنه لتشكو إليه باستجدائها المتسول لمشاعره مستخدمة منديلها الورقي في مسح دموع أوشكت على الجفاف 
أنا ماليش غيرك يا جدي من بعد ربنا يرضيك خړاب البيوت و 
قاطعها بصوت جاف خال من أي نوع من التعاطف 
شوفي يا بنت بثينة بلاش الشويتين دول معايا 
غامت نظراتها نحوه حتى عبراتها التي تطيعها وقتما تشاء لتبكي بتأثر لم تقو على استدعائها أمام خشونته البحتة رمقها سلطان بنظرة قاتمة نفذت إليها على الفور وكأنها تجردها من أقنعتها الزائفة وأضاف بصوته المليء بالجفاء 
المحڼ وشغل التلات ورقات ده عفا عليه الزمن أنا مش خالتك ونيسة هتضحكي عليا بدمعتين وابن ابني راجل عمل الصح 
تخلت عن ضعفها المستكين لتسأله بوجهها الحقيقي 
يعني إنت موافق إنه يطلقني 
ببساطة أجابها ودون أن يستغرق وقتا في التفكير 
ده اختياره ماليش إني أدخل 
نظرت له بعينين تتقاذف فيهما شرارات الڠضب وردت بصوت أقرب للصياح 
بس إنت جده وكلامك سيف على رقبته خليه يرجعني احنا لسه في العدة 
سألها بنوع من التهكم 
وهو أنا اللي هاعيش معاكي طالما مش عايزك خلاص 
ثم عمد إلى مواجهتها بقساوة ودون أن يأبه بمشاعرها 
إنتي بالنسباله باب اتقفل في حياته 
تصاعد الډم في وجهها غيظا من صراحته الفجة وسألته بوقاحة 
ده كده كويس يا جدي يطلقني وأنا حامل وإنت عارف كلام ربنا كويس 
علق بهدوء ليفسد عليها محاولتها الشنيعة لاستفزازه 
ربنا بيقول فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ۗ و تميم عمل اللي ربنا أمر بيه لما الحياة تبقى مستحيلة بإن اتنين 
كزت على أسنانها