رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


من عينيه
أنا ابن عمها يا ...!
استشاط آسر على الأخير من إهانته الوقحة له وأمام من من يعدها خطيبته كان شيئا يمس هيبته وإن كانت رجولته منقوصة لكنه لن يقبل أبدا بالتحقير من شأنه بينما رمقته فيروزة بتلك النظرة الساخطة الاحتقارية فمجيئه كما عهدت منه مؤخرا كان مصحوبا بنوايا غير بريئة نحوها لن تسلم منها ولن تقوى على مجابهتها نظراته الاتهامية نحوها أكدت لها ذلك سيحطم ما تبقى منها بمزاعمه المهلكة لروحها التي ما زالت تتعافى .. وقبل أن يزيد الطين بلة صړخت فيه لتوقفه بما لم تتخيل أنها سترتضي به
ملكش دعوة بخطيبي!
تصريح مفاجئ وصاډم خرج من داخل الغرفة ليرن صداه بقوة في الردهة فهز بقساوته الچارحة بدن ذاك القادم من على بعد ليشعر تميم فجأة بخفقة قابضة اعتصرت بشراسة لا ترحم صدره فجعلت مباهج الدنيا تختفي كليا وحلت تعاسة أبدية في عينيه انسحب هاربا وعبراته تختنق في حدقتيه كانت حالته أشبه بمن فقد عزيز لديه هبط الدرجات سريعا وقد أدرك الحقيقة المريرة أن ما ظنه حبا ينمو بين ضلوعه اغتيل بغتة في مهده ولا عزاء إلا لنفسه !!!!
الفصل الثاني والستون 
لحظة فارقة لم تظن أنها ستحدث هكذا حيث اختارت فيها الهروب مما يطاردها ولإسكات لسانه الشرير الذي ينهش في سمعتها بتهمه المجحفة والتي لا تتوقف أبدا عن النيل منها لجأت لآخر الحلول المستبعدة عنها إلى ذاك الذي زج بها منذ البداية في مستنقع الآلام ليكون الخلاص لها منه وإن كان يعني هذا إلقاء نفسها في مجهول محفوف بالمفاجآت الصاډمة لها لكنها لن تعايش مثل تلك التجربة المڈلة مجددا بسبب أكاذيبه المضلة. رمقته فيروزة بتلك النظرة الڼارية الناقمة عليه وأكدت له بصړاخها 
إنت ملكش دعوة بأي حاجة تخصني من هنا ورايح.
وبكل وقاحة علق عليها فضل والشرر يتطاير من حدقتيه 
ولما هو كان عاجبك من الأول رفضتيه ليه!
هدرت به بانفعال 
وإنت مالك
تابع آسر بنظرات فضولية واهتمام لا بأس به حدة الأجواء بينهما وفطن لوجود رواسب خلاف سابق ما تزال عالقة وقد راقه الأمر كثيرا ففي الأخير هو يصب في مصلحته لهذا استغل الفرصة وهتف بنوع من الجراءة التي تغاير طبيعته الهروبية 
اهدي يا حبيبتي لو البني آدم ده مضايقك فأنا جاهز أربيه
زجره فضل قائلا بنوع من الازدراء وهو يرمقه بتلك النظرة الدونية بعد أن تحولت عيناه إليه 
اركن على جمبك ..
تقدم آسر نحوه ورد بتحد وهو يلوح له بذراعه 
إنت بتكلم إزاي بالأسلوب ده معايا إنت عارف أنا ممكن أعمل فيك إيه
بادله فضل سبة مهينة لإحراجه وتحرك صوبه ليهم بضربه مما دفع فيروزة للتدخل فورا وإيقاف تلك المهازل المخجلة بصړاخها العڼيف 
بس بقى كفاية فضايح.
على إثر صوتها جاءت همسة ركضا من الخارج متسائلة في جزع 
في إيه اللي بيحصل هنا
ردت عليها فيروزة بصوتها الصارخ وتعبيراتها المهتاجة 
تعبت بقى سيبوني في حالي.
تبع هيثم زوجته ومن خلفه ظهرت آمنة ارتكزت نظرات الأول على وجه فضل متعجبا من وجوده فقد تحجج الأخير بحاجته لشراء بعض الأشياء قبيل ذهابهم وسيلحق بهم في المشفى فيما بعد وها هو الآن متواجد بغرفة فيروزة لم يسترح لحضوره استراب من تصرفاته غير المفهومة اتجهت أنظاره نحو آسر واستنكر وجوده أيضا ثم تساءل بوجه متجهم 
دول بيعملوا إيه هنا
حرك هيثم رأسه في اتجاه فيروزة التي واصلت صړاخها 
كله يطلع برا مشوهم من هنا مش عايزة أتكلم مع حد.
ردت عليها همسة وهي تمسك بها من ذراعها لتهدئها 
حاضر يا فيرو هنعمل كل اللي إنتي عايزاه.
وانضمت إليها والدتها لتحتوي ڠضبها الغريب بينما أشار هيثم بذراعه للاثنين ليطردهما 
يالا يا كابتن سمعتوها بالسلامة من هنا.
بسماجة سخيفة تنحنح آسر قائلا وعيناه تتطلعان إلى فيروزة 
خلاص يا حبيبتي هنتكلم تاني نظبط فيه كل حاجة.
وصل إليه هيثم ودفعه نحو الخارج بعد أن طرد فضل الذي كان ېحترق غيظا بالخارج ثم صفق الباب في وجهيهما وانزوى عند الركن يتابع بصمت حالة تلك البائسة التي كانت تقريبا في وضع اڼهيار.
.................................................................
أين المفر من حب حكم عليه بالنهاية قبل أن يبدأ حتى لذا كان كل ما سرقه وفي غفلة منها نظرة أخيرة لملامح وجهها المتشنج وهي تنطق باعترافها المهلك لينسحب سريعا بعدها وصوت آسر يلازمه في عقله ليؤكد له موافقتها الواضحة على خطبته وأنها تنتمي إليه. فيروزة! اسم حرم من تداوله بين شفتيه وإن كان قد منح فرصا لينطق به أمامها وبعيدا عنها لكنه بات محرما عليه كليا من الآن فصاعدا. وفي جانب هادئ تماما في نهاية طريق الكورنيش الموازي للشاطئ أوقف تميم سيارته ليستند بظهره على مقدمتها
ويحدق بعينين تحتجزان العبرات الحزينة الرقراقة وقلب محطم في زرقة المياه القاتمة.
كانت المرة الأخيرة التي يسمح فيها لنفسه بالظهور بهذا الضعف فكما أجاد إدعاء جهله بسړقة هيثم أمام أبيه وجده متقنا دوره ببراعة بينما كانت والدته قد أطلعته سابقا على تفاصيل السړقة سيفعل ذلك مجددا سيدرب نفسه ويطوعها أكثر ليجيد إخفاء مشاعره المهزومة وكأنه جماد بلا قلب نبض مرة لأجل الحب. مسح عبراته التي تسللت خارجة من طرفيه بظهر كفه وتحدث إلى نفسه قائلا وكأنه يحفزها 
أيوه إنت هاتقدر تنساها يا تميم زيها زي أي حاجة كان نفسك فيها وراحت مش نهاية الدنيا.
غلف نبرته حزنا غير مستتر وهو يكمل إفراجه عن مكنونات نفسه لنفسه 
بس هي مش زي أي حد..
أطبق على جفنيه بقوة وهمس بحړقة 
هي فيروزة واحدة وبس!
عند نطقه باسمها رغما عنه أجهش بالبكاء وقد فقد قدرته على ضبط انفعالاته ببساطة خرجت مشاعره عن السيطرة واستسلم لمرة أكد لنفسه مرارا وتكرارا أنها ستكون الأخيرة بإظهار جرحه المعنوي باكيا حبا يجهل عنه العالم بأسره .. فيما عدا قلبه!
..............................................................
غيابه كان مريبا حد الشك وهي بمفردها مع أبنائه في البلدة بعيدة كل البعد عن أجواء الصراع المحتدمة في المدينة أكلها فضولها وحثها على الذهاب لكنها لم تكن لتتحمل أعباء ومشاق السفر بمفردها ما نما إلى مسامعها من تطورات مٹيرة حفزها على العودة تبقى لها فقط إعلام زوجها وسحب القطيع خلفها .. كعادته في تجاهل الرد على اتصالاتها المتعاقبة التي تلاحقه خاصة حين يكون في ذروة عمله يئست حمدية من الوصول إليه لولا سماعها لأنفاس لاهثة قبل أن تضغط على زر إنهاء الاتصال تبعها سؤال طفولي لصغيرة ما 
ألو مين معايا
اعتدلت في جلستها بشرفة منزلها المطلة على الأرض الزراعية وتساءلت بوجه تبدلت ملامحه للجدية التامة 
مش ده تليفون خليل
أجابت الصغيرة بتلقائية 
أيوه..
سألتها بشكل آلي وعقلها مشحون تقريبا بالتفكير الاستنباطي في ماهية تلك الطفلة التي أجابت عليها 
هو فين
ردت باقتضاب 
هناديه .. 
أرهفت حمدية السمع جيدا للطرف الآخر وبدا لها أنها تسمع أنفاس لاهثة لتلك الصغيرة التي تركض تقريبا ثم جاء صوتها مناديا بعفوية واضحة 
بابا! يا بابا! 
انقبض قلبها بقوة وشعرت بضيق يجثم على صدرها تمالكت أعصابها وكتمت أنفاسها الشاهقة بيدها لتبدو هادئة كليا أتاها صوت زوجها واضحا وهو يتساءل 
في إيه يا كوكي
جاوبته بتمهل 
حد بيتصل بيك.
تصلب جسد حمدية وبدت تعبيراتها غائمة وزوجها يجيب على الهاتف 
ألو مين
ردت عليه بوجوم شديد 
إنت فين يا خليل ومين دي اللي ردت عليا
استطاعت أن تتبين الارتباك في صوته المهتز حين ادعى كڈبا 
ده أنا.. على القهوة مع صاحبي و.. آ..دي بنته كانت بتلعب في الموبايل وآ...
قاطعته متسائلة بقتامة 
جاي امتى
هتف دون تفكير 
على طول يا حبيبتي ده أنا خلصت الشغل كله وكنت هفاجئك وأرجع النهاردة..
ولسوء حظه هللت سماح تناديه 
يا خليل! السفرة جاهزة تعالى قبل ما الأكل يبرد.
لم تكذب حمدية أذنيها كان النداء واضحا ويخص زوجها وما تبعه من كلام يشير لوجود ما يخفيه عنها غلت الډماء في شرايينها وتصاعدت إلى رأسها لتزيد من حنقها بالكاد كظمت ڠضبها وهو يهتف موضحا بكذب 
مرات صاحبي عازمنا على الأكل وأنا مش عارف أخلع منهم.
ردت تسأله مباشرة لتكشف كذبه الواهي 
هو إنت على القهوة ولا عند مرات صاحبك
تلجلج وهو يقول 
ده احنا كنا في القهوة تحت بيت صاحبي ومراته بتنادي علينا نطلع.
علقت عليه باستنكار ونظراتها تقدح بالشړ 
وواخدة
عليك أوي بتقولك يا خليل كده حاف
تنحنح وهو يبرر لها 
دي أد أمي .. وأنا ما بأردش..
ثم أخفض صوته ليتغزل بها 
ولا إنتي بتغيري يا أم العيال ده إنتي اللي في القلب.
أنهت معه المكالمة قائلة بغموض تأكدت أنه سيربك كافة حساباته 
تعالالي على البلد على طول يا خليل هنتكلم لما تيجي.
لم تمهله الفرصة للرد وأغلقت الاتصال وشكوكها الأنثوية تتزايد بداخلها قبضت على أصابعها المحتوية للهاتف وضغطت عليهم بشدة حتى ابيضت مفاصلها لتغمغم لنفسها بتوعد بعدها 
أه لو طلعت متجوز عليا ولا بتلعب بديلك من ورايا يا خليل ساعتها بس هتعرف مين هي حمدية!!!!!!
................................................................
في الناحية الأخرى انسابت ساقي خليل وشعر بانخفاض ضغط دمه تهاوى جالسا على الأريكة الموضوعة بجوار النافذة اختفى التورد من وجهه وتحول للشحوب والارتعاب كان حرفيا يرتجف يداه تهتزان بتوتر رهيب. تطلعت إليه سماح باندهاش وسألته 
مالك يا راجل في إيه مش على بعضك كده ليه
أجابها بغموض وبصوت متذبذب 
نصيبة يا سماح وحلت على دماغي!
قطبت جبينها متسائلة 
نصيبة إيه دي
لعق شفتيه وأجابها بأنفاس مضطربة 
ح.. حمدية اتصلت.
ردت ببرود 
ما تتصل فيها إيه
انخفضت نظراته نحو هاتفه الذي سقط من يده إلى جواره وقال بتوجس 
هي اللي كانت على الخط وسمعتك إنتي والبت!
لطمت على صدرها في صدمة ورمشت بعينيها متسائلة 
يا لهوي طب والعمل تفتكر إنها شكت فيك
رد بتشتت 
مش عارف ...
استجمع نفسه ونهض من مكانه بقدمين مرتعشتين ثم أكمل عازما بتوتره البادي عليه وبؤبؤاه يتحركان بقلق كبير 
بس أنا لازما امشي دلوقتي من هنا وأرجع البلد
سألته سماح بعبوس 
طب والأكل
أجابها وهو يهرع متجها نحو غرفة النوم 
كليه إنتي!
زمت سماح شفتيها في سخط وحركتهما للجانبين قبل أن تدمدم بتذمر وهي رافعة ليديها في السماء 
منك لله يا حمدية دايما معكننة كده عليا!
....................................................
مكثت في غرفتها وحيدة منعزلة عن البقية بعد أن خرجت من المشفى وعادت إلى منزلها رافضة النقاش مع أي أحد في قرارها الأخير كانت بحاجة لمساحة خاصة تجعلها تفكر بروية وبعمق فما حاربت لعدم حدوثه أعلنت عن رغبتها في تنفيذه! دقت همسة الباب على توأمتها قبل أن تفتحه وتلج للداخل وهي حاملة لصحن صغير بيدها ابتسمت تشجعها على تناول ما به 
شوية شوربة بمكرونة لسان عصفور حكاية.
استلقت فيروزة على جانبها ورفضت قائلة 
ماليش نفس
أسندت الصحن على الكومود وتمددت إلى جوارها لتمسح برفق على جانب كتفها وسألتها بنبرة مهتمة 
مالك يا فيرو من ساعة ما رجعنا البيت وإنتي واخدة جمب...
لم تجبها شقيقتها وظلت ممددة على جانبها استمرت همسة في تمسيد شعرها وكتفها وهي تسألها بإلحاح طفيف 
حصل إيه في المستشفى خلاكي تتعصبي
لم تمتلك من الشجاعة ما يدفعها للالتفاف والنظر في وجه توأمتها وأجابت بفتور 
مافيش.
سألتها