رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


فيه فزوجته لا تستحق منه ذلك وإن كانت أحاسيسه لا تتخطى حاجز خيالاته لكنه ملتزم بالإخلاص لها بالتفكير فيها وحدها سيسعى جاهدا لمنحها الاهتمام سيعطيها الحب الذي لا يستطيع الشعور به نحوها سيوجد من العدم مشاعرا جديدة تشملهما وربما سينجح في ذلك من أجل أسرته. 
.........................................................................
اصطفت سيارة النقل الصغيرة أمام مدخل البناية لتنقل المنقولات التي تخص العروس تعاونت فيروزة مع توأمتها في حمل الصناديق واحدة تلو الآخر وتولت والدتهما مهمة إفراغ ما بهم لرصهم على الفور في أماكنهم بالطبع كانت الأسبق في الحضور حمدية لتقف على رؤوس الأشهاد في تلك المناسبة توقفت الأختان لالتقاط أنفاسهما للحظات وتساءلت همسة في تعب بعد ذلك المجهود الشاق الذي بذلته في فترة وجيزة 
فاضل كام كرتونة
أجابتها فيروزة وهي تنظر لورقة صغيرة في يدها 
احنا طلعنا 15 واحدة ناقص 10.
علقت عليها توأمتها بما يشبه المدح 
كويس إنك مرقماهم عشان مانتلخبطش.
أضافت موضحة أيضا وقد أبرزت مفكرة صغيرها احتفظت بها في جيب بنطالها 
وكل كرتونة مكتوب فيها ايه ده هيسهل علينا كتير.
اقترحت عليها همسة بنوع من التذمر 
مش كنا قولنا ل هيثم كان جه وساعدنا
رمقتها بنظرة حادة قبل أن ترد 
همسة إنتي عارفاني عاوزين نكون على راحتنا مش ناقصين دوشة ومحڼ من خطيبك ده وجايز يبقى جايب أمه معاه صدقيني مش هنخلص ده غير حړقة الډم.
قالت على مضض وقد بدت شبه عابسة 
طيب.
التفتت كلتاهما للخلف معا حين سمعا الصوت المتسائل 
إنتو هنا من بدري
ملأ السرور تعابير همسة فخطيبها قد جاء ليس بمحض الصدفة لرؤيتها نظرت له بخجل وردت مبتسمة ابتسامة صغيرة 
يعني.. مش أوي.
سددت فيروزة لتوأمتها نظرة حادة متشككة وأخفضت صوتها لتقول بتبرم 
ده بيجي على السيرة ولا إيه
ألقى هيثم نظرة متفحصة للصناديق التي احتلت ركنا من الصالة وتساءل 
طلعتوا دول لواحدكم
أجابته همسة على الفور مستخدمة يدها في التلويح 
أيوه ولسه في شوية تحت وهانروح نجيب شنط الهدوم وآ...
قاطعها بحزم 
طيب كفاية عليكو كده ارتاحوا وأنا و تميم هنطلع الباقي.
اعترضت عليه فيروزة بلهجة أظهرت انزعاجها 
لأ كتر خيرك مالوش لازمة تعرفه احنا هنعرف نظبط أمورنا.
استغرب هيثم من عزوفها عن مساعدته وقال بإصرار 
ما هو شايف العربية اللي سادة المدخل وبعت جاب عمال من عندنا كمان عشان ننجز وننقل حاجتي بالمرة.
احتجت بمزيد من العناد المعارض لقدومه 
وليه يتعب نفسه من الأساس
مالت همسة على شقيقتها لتهمس لها في أذنها 
إنتي ناسية إن ده بيت عيلته أكيد هيبقى عارف.
ردت عليها بصوتها الخاڤت 
ماشي بس مش مبرر يعني.
نظرت لها برجاء قبل أن تصر عليها 
معلش بقى وبعدين كده هنلحق نخلص بدري عشان نطلع على الأتيليه ونشوف الفستان يا فيروزة .
كانت محقة في الجزئية الأخيرة الوقت محدود للغاية لإنجاز الكثير فيه تنهدت قائلة في استسلام 
إن شاء الله.
تدخل هيثم في حوارهما مشددا 
زي ما اتفقنا يا همسة مش بأحب الحاجات العريانة ولا المكشوفة.
توردت بشرتها وهي تعلق عليه 
اطمن أنا أصلا مش كده.
اضطرت فيروزة أن تتراجع خطوة للخلف وتتنحى للجانب حين لمحت تميم صاعدا على الدرج لم تحبذ رؤيته خاصة بعد الصدامات غير اللطيفة مع زوجته والتي لا تتوانى عن مضايقتها إما بحديث أرعن أو تلميحات سخيفة انسحبت نحو الردهة مدعية انشغالها بتفحص الصناديق ..
وبهدوء يناقض طبيعة دقات قلبه المتحفزة بشكل عجيب استطرد تميم ملقيا التحية 
سلامو عليكم.
أفسح له هيثم المجال ليمرق وهو يدعوه للدخول 
اتفضل يا تميم .
تساءل الأخير في حيرة 
أحط الكرتونة دي فين
أجابته همسة ببساطة 
اسندها في أي حتة احنا لسه هنشوف هنرص الحاجة إزاي.
وكأن بالقلب بوصلة تقوده إلى حيث المرفأ والوطن الحقيقي اتجه عفويا إلى المكان الذي تقف به فيروزة وتلك الابتسامة المرحة تزين شفتيه وكأنها تتحداه لم يدرك أنه يبتسم لها لكن قوبل وجوده بنفور صريح على تعبيرات وجهها مما أجبره على العبوس والتزام الصمت لم يكن ليفرض نفسه أبدا عليها انحنى ليضع الصندوق دون أن ينبس بكلمة كان جل ما يكفيه منها ابتسامة عادية تسعد روحه المعذبة مؤخرا ابتسامة ساخطة ظهرت على جانب شفتيه وهو يشعل تلك السېجارة ليدخنها بالقرب من النافذة وكأن الحياة تعانده بخلق الفرص بينهما فكلما قاوم حضورها كلما ظهرت وطغت بقوة عليه لتستحوذ على فراغ عقله ووحدها فقط من تغدو المسيطرة عليه.
هتفت آمنة من الداخل بنبرة عالية 
تعالوا يا بنات شوفوا الرصة اللي في الدولاب دي كويسة.
استدارت همسة برأسها لترد بصوت شبه مرتفع 
حاضر يا ماما.
انتبهت حمدية للأصوات الذكورية التي تصدح في الصالة حثها فضولها على الخروج من غرفة النوم لتفقد المتواجدين وهي تتساءل مع نفسها 
هما بيرغوا مع مين برا
تجمدت نظراتها على هيثم وقالت بشفاه مقلوبة 
الله ده العريس هنا.
تبعته بنظراتها الماكرة وهو يمد يده ليصافح آمنة قائلا لها بود 
إزيك يا حماتي
ردت عليه بإيماءة صغيرة من رأسها 
بخير يا ابني.
تقدمت حمدية في خطواتها لتصبح على مرأى ومسمع مما يحدث ثم بادرت تشكو بتنمر مفتعل 
احنا طالع عينا من بدري وريقنا ناشف ومافيش حتى لقمة ترم عضمنا.
التفتت نحوها فيروزة لترد بضيق وقد تحرجت كثيرا من طريقتها السخيفة في التسول 
في إيه يا مرات خالي ما احنا اتغدينا قبل ما ننزل ولا هي طفاسة
ردت ببرود 
الله إنتو كلتوا أنا ملحقتش احط لقمة في بؤي ولا أخرت خدمة الغز علقة
لاحظ هيثم التوتر السائد بين الاثنتين واقترح بلطف 
طب ارتاحوا شوية وأنا هابعت أجيب أكل
مدحته حمدية بابتسامة متكلفة 
يدوم العز.
في حين حدجتها فيروزة بنظرة ڼارية من عينيها وهي تردد بتبرم 
واحدة جعانة فعلا بطنها مابتشبعش!
تلقائيا تحركت نظراتها مع هيثم الذي صاح 
بصي يا همسة أنا حطيت صورة أبويا هنا في الصالون لو مضيقاكي نغير مكانها.
ردت باستحسان 
لأ تمام.
تابع هيثم مكملا وهو يشير لها لتتحرك نحو زاوية أخرى 
وأما نتجوز نبقى نحط صورة فرحنا في الحتة دي.
ماشي.
ظلت أنظار فيروزة مثبتة على الصورة الفوتوغرافية الكبيرة التي احتلت مساحة لا بأس بها من الحائط دنت أكثر منها لتمعن النظر في تفاصيلها غير الغريبة عليها لم تحد ببصرها عنها وهي تتساءل في حيرة 
الشكل ده مش غريب عليا.
اعتصرت عقلها بجهد كبير محاولة تذكر أين رأت ذاك الرجل برقت عيناها فجأة في ذهول ملبك لبدنها للحظة توقف الزمن عن الدوران لتعود عقارب الزمن بها للوراء لسنوات مضت عند تلك اللحظة الشنيعة التي عاشتها بكيانها وجوارحها بل وظلت مخلدة في وجدانها .. لا تفارقها أبدا .. تراودها في صورة ومضات ټقتحم عقلها بين الحين والآخر .. انخفضت أنظار الصغيرة فيروزة نحو السبرتاية التي نشرت شرارات لهبها المتطاير حولها لتصل إلى ما يحاوطها رأت كيف اندلعت النيران بغتة في دلو مليء بزيت الطلاء ذعرت وتراجعت للوراء وقلبها يخفق بقوة كانت صغيرة بالقدر الذي
يمنعها من إدراك الموقف والاستغاثة فورا راقبتها متوقعة أن تخبو لكن حدث العكس في أقل من دقيقة انتشرت الڼار بشكل مخيف ضاقت نظراتها مع احتدام ألسنة النيران وازدياد قوتها وبعفوية هتفت وهي تقاوم السعال الچارح لحلقها مستخدمة يدها في الإشارة نحو الحريق 
عمو في ڼار كتير هنا.
انتفض غريب خوفا مع رؤيته لذلك المنظر المرعب هب ركضا للداخل محاولا إنقاذ ما يمكن إنقاذه وهو يردد 
يا ساتر يا رب وده حصل إزاس
الټفت الفتى الذي بدت ملامحه مألوفة لها ولكن في عمر أصغر مما عليه الآن حين صړخ بها 
ابعدي عن الڼار..
قبض على رسغها ليجذبها بعيدا عن كتلة اللهب الحاړقة دفعها في عڼف طفيف نحو الخارج ونظرته الصارمة ناحيتها ما زالت تذكرها أحضر غريب ملاءة قديمة حاول بها إخماد اللهب الذي وجد ضالته الثمينة في الانتشار بسرعة أكبر وهو يصيح بصوت بدا مخټنقا من كثافة الدخان الخانق 
نادي على أبوك بسرعة يا تميم قوله المحل بيولع.
رد عليه الفتى يحذره بأنفاس لاهجة 
خد بالك يا عم غريب .
تحولت نبرته لصړاخ قوي حتى يلفت انتباه الجميع 
انجدونا يا جدعان الڼار هبت في المحل.
لحظة واحدة ممېتة طالت فيها ألسنة اللهب جسد غريب الذي اشټعل بالكامل وسط صرخات الصغيرة وهلع الفتى هرع إليه الأخير لينقذه وقد التقط دلوا مليئا بالماء ليطفئ ما استعر في جلده المتآكل من ڼار حامية لكن سقطت تلك الكتلة الخشبية عليه فطرحته أرضا انتفضت فيروزة في مكانها جزعا لكنها هرولت بشجاعة متهورة تناقض سنوات عمرها الصغيرة نحوه لتهب لنجدته بعد أن سكن جسده كليا وكأن غريزة البقاء كانت ما تستحثها چثت على ركبتيها تهزه پعنف.. لا استجابة على الإطلاق! تلفتت حولها باحثة عمن يساعدها الكل مشغول بإخماد الحريق الهائل نهضت مستندة على كفيها لتقف عند قدميه انحنت عليه بجسدها الهزيل لتمسك به من عقبيه حاولت جره بعيدا عن النيران لكنها لم تستطع فقد كان وزنه ثقيلا بالنسبة لها. لهثت وتعرقت وتسارعت أنفاسها ومع ذلك لم تيأس استمرت في المحاولة مستنزفة كل قواها بدأت في السعال المټألم بعد أن ازدادت كثافة سحب الدخان الذي عبأ المكان وملأه. توقفت عن سحبه لتضع يدها على أنفها مانعة نفسها من استنشاق المزيد من الأدخنة الخانقة جابت بنظراتها المرتاعة المكان الذي تحول لكتلة من الضباب وهي معتقدة أنها النهاية لا مخرج.. لا نجاة تهاوت جاثية على ركبتيها وقلبها يكاد ينخلع من عڼف دقاته وضعت يديها المرتعشتين حول عنقها المتيبس تتحسسه في عجز وكأنها تستجدي بذلك آخر نفس لها في الحياة.
ظلت عالقة لبرهة في تلك الذكرى المؤسفة بل بدت كما لو كانت تعايشها الآن بكامل حواسها انتبهت همسة لشرودها الغريب تقدمت نحوها ونادتها بخفوت علها تستفيق مما هي فيه لكنها بقيت على جمودها المريب تطالع الصورة بوجه شاحب أرعبها أدركت على الفور أن توأمتها تعاني من نفس حالة الصدمة التي لازمتها لوقت طويل صړخت بها وقد لاحظت تلك التشنجات التي أصابت جسدها 
فيروزة
الفصل الثالث والأربعون
يقف خارج المنزل مترقبا وصول عامل توصيل الطلبات لم يحبذ التواجد بالداخل ونفورها منه واضحا نأى بنفسه بعيدا عنها وبقي مستندا بظهره على الدرابزين .. شكره هيثم على كرمه الزائد مع عائلة خطيبته وتحمله تكاليف تلك العزومة الطارئة لم يكترث تميم للأمر كثيرا لكونه من طباع أسرته إكرام الضيف وحسن ضيافته استغل تلك الفرصة الجيدة لينصح ابن خالته بما يفيده ولا يضره فاستطرد يقول له
عاوزك تخف البرشام إياه.
نظر له هيثم في حيرة قبل أن يسأله
برشام إيه
استغرب من حدته في تلك المسألة التي تعتبر عادية بالنسبة له بناء على الادعاءات السابقة من زوجته عليه قرر استدراجه في الحديث ليكشف الحقيقة الغائبة عنه وتابع بأسلوب مراوغ
أومال أنا سامع كلام إنك على طول بتاخده.
اڼفجر فيه محتجا بحدة أكبر
ده مين ابن ال ..... اللي قال كده هاتهولي أخزقله عينيه.
ورغم الضيق البادي على ملامح تميم لتأكده من كڈب زوجته عليه إلا أنه حافظ على جمود ملامحه وعلق عليه
يا عم