رواية جديدة شظايا قلوب بقلم سيلا


إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
ليست السعادة وعدا بعيدا ولا لحظة عابرة بل خيط خفي ينسج بين الحب والۏجع بين العشق الذي يبني والانكسار الذي يعلم. هي أن تنهض رغم الألم أن تحب ذاتك حين يخذلك الآخرون. السعادة الحقيقية أن تكون أنت بكل ما فيك من ضعف وقوة من شظايا وأحلام وحينها فقط لن تبحث عنها لأنها ستكون فيك.
قبل عام مضى..
في النادي الخاص بأرسلان كان منهمكا في أوراقه وأعماله حين فتح باب مكتبه پعنف دون استئذان..رفع رأسه بحدة ليجد إسحاق واقفا أمامه بكل صلابته..
اعتدل أرسلان واقفا بذهول وهو يتأمل ملامحه المرهقة
عموفي إيه مالك!
خطا إسحاق نحوه واردف بصوت يقطر ڠضبا وحيرة
أنا بالنسبالك إيه ياابن فاروق
انقبض صدر أرسلان من وقع السؤال وضاقت عيناه وهو يحاول استيعاب مقصد تلك الكلمات
مش فاهم قصدك..وبعدين إحنا مش خلصنا من موضوع ابن فاروق ده من زمان
اقترب إسحاق أكثر والشرر يتطاير من عينيه
إنت بتستهبل ياولا مش فاهم كلامي ولا بتتغابى لما فاروق مايبقاش أبوك..يبقى أنا عمك إزاي
تجمدت الكلمات في حلق أرسلان وعجز لسانه عن الرد..أطرق برأسه إلى الأرض هاربا من نظراته الفاحصة مما جعل أسحاق ينقض عليه ممسكا بتلابيبه پعنف
من إمتى ياأرسلان تخبي حاجة عني مش المفروض أنا أب ليك ولا خلاص لغيتني زي مالغيت فاروق
ثم أردف بمرارة وحنق
ماتجيبليش سيرة القلم اللي ضړبك بيه ولا إنه دافع عن أمه..دي أمه يابني ومريضة سړطان..وإنت أكتر واحد عارف قلب فاروق الحنين.
أنزل إرسلان يده ببطء ثم تراجع ليستقر على المقعد المقابل يحمل في ملامحه ذهولا ممزوجا بالخذلان..
قال أرسلان بجمود حاول أن يخفي خلفه انكساره
عمو إسحاق أنا معنديش كلام جديد أقوله..حضرتك أذكى من إنك تحتاج شرحأنا رجعت أمي صفية علشان ده حقها تعيش في بيتها معززة مكرمة بعد ماأفنت فيه عمرها..مينفعش واحدة غريبة مالهاش قيمة في حياتنا تيجي وتعيش على حساب تعبها..مع كامل احترامي لبابا وعارف إنه من حقه يتجوز بدل المرة أربعة ومااعترضناش وقت ماكسرها أول مرة واتجوز بس ساعتها ماكنش ليها سند..كنت لسه طفل وحضرتك بين مصر وفرنسا..إنما دلوقتي..أنا بقيت راجل.
انعقد حاجبا إسحاق ونطق بصوت خرج حادا رغم محاولته السيطرة
يعني إيه ياأرسلان
ابتسم أرسلان بسخرية حزينة ورفع عينيه نحوه بثبات
اسأل فاروق باشاهو اللي عنده الجواب دا لو حضرتك فعلا متعرفش.
تقصد إيه!
ماعنديش رد تاني..صدقني مفيش غير بابا يقدر يجاوبك أو حضرتك..لو عايز تعرف بطريقة تانية هتعرف.
ساد الصمت لحظة ثقيلة بأنفاس مخټنقة ثم أومأ إسحاق إيماءة مقتضبة واستدار خارجا دون أن ينبس بكلمة أخرى.
أما أرسلان فجلس على مقعده يطبق كفيه حتى ابيضت أنامله وغامت عيناه بمرارة لم يستطع حپسها وكأن كل جملة نطقها للتو أعادت إليه أحزانا حاول أن يطمرها بالنسيان.
فرك جبينه بأصابع مرتعشة محاولا السيطرة على دموع عصية كادت أن تفضحه..دقائق ظل فيها أسير أنفاس متلاحقة إلى أن هدأ غضبه شيئا فشيئا ثم ارتمى بجسده على المقعد مغمض العينين وكأنه يغوص في ذاكرته بحثا عن لحظات قديمة

قطع استغراقه ذلك الرنين المزعج للهاتف التقطه بآلية ورفعه إلى أذنه
أيوة.
إنت فين!
في الشغل..في حاجة
يبقى عدي على فيلا السيوفي..إيه رأيك نتجمع هناك الليلة
عقد حاجبيه متسائلا
اشمعنى الليلة النهاردة الاتنين.
أتاه صوت إلياس عبر الهاتف ممزوجا بضجيج الطريق
النهاردة عيد ميلاد فريدة هانم..ميرال عايزة تعملها حفلة صغيرة إنت عارف الستات وهبلها.
ارتجف قلب أرسلان وانفرجت شفتاه بتمتمة خاڤتة
ماما..عيد ميلادها النهاردة
قالها وكأنه يسمع عن امرأة غريبة لا تقربه بينما الحقيقة أنها ډم قلبه وروحه التي قصر في حقها حتى جهل يوم مولدها.
جاءه صوت إلياس سريعا
أيوة..متتأخرش وميرال بتقولك متنساش الهدية.
حاضر.
أغلق الهاتف ببطء وأسنده إلى مكتبه بينما قلبه يصفعه بندم موجع..كيف وصل به الحال إلى أن يجهل تاريخ ميلاد أمه كيف غفل عن تفاصيلها التي تستحق أن تحفظ في الذاكرة كما تحفظ أنفاسه!
نهض فجأة كأن الأرض ضاقت عليه واتجه بخطوات متسارعة نحو سيارته لم يعد قادرا على البقاء لحظة واحد أخرى بعيدا عنها..غادر النادي كمن يهرب من نفسه قبل أن يهرب من المكان.
بعد وقت قصير وصل أرسلان إلى منزله ليجد غرام قد انتهت من استعدادها للمغادرة إلى فيلا السيوفي..
ابتسمت له وهي تتأمله قائلة
اتأخرت ليه ياحبيبي
أخرج من جيبه علبة زرقاء صغيرة وهو يقول
كنت بجيب هدية لماماإيه رأيك
فتحتها غرام فاتسعت عيناها دهشة وهي تلهث إعجابا
وااولا كدا أنا لازم أغير من ماما فريدة.
ضحك بخفة 
حقك ياروحي بس طبعا مفيش حد ينفع يغير من والدته.
ألقته بابتسامة عاشقة
أكيدأنا بس هزود هديتها شوية.. وعلى فكرة أنا كمان جبت هدية مع ميرال بس مش هقولكخليها مفاجأة.
هامس
ربنا مايحرمني منك.
تطلعت إليه بقلق خاڤت
مالك ياحبيبي شكلك مش على بعضك.
تنهد وهو ينزع جاكيت بدلته مشيرا إليها أن تحضر له ثيابه
مفيششوية إرهاق يلا بقى نجهز بلاش نتأخر.
أومأت برفق ثم تحركت للداخل.. دقائق عادت بعدها متألقة لتستقل السيارة إلى جواره..
قاد السيارة متجها إلى فيلا السيوفي
ليه بلال وضي راحوا مع إلياس
أجابت بابتسامة وهي تنظر على الطريق
بلال مسك في يوسف وطبعا أنا مش هقولك على الاتنينخفت يوسف مايروحش لو يوسف قعد عشانه..قلت خلي إلياس يتصرف هو أقدر مني في الحكاية دي.
أومأ أرسلان باقتناع وهو يربت على يد غرام
صح اللي عملتيه ياحبيبتي.
لم تمر دقائق حتى توقفت السيارة أمام فيلا السيوفي..نزل أرسلان لتستقبله أجواء الحديقة المليئة بضحكات الأطفال.
توقف متسائلا وهو يجول بعينيه المكان
مفيش حد هنا ولا إيه
ركضت ضي إليه بسرعة تتشبث بيده
اتأخرت ليه يابابا انطي ميرال عملت كيك حلو أوي.
ابتسم لها بحنان ثم تساءل بلهفة خاڤتة
تيتا فين
هزت الصغيرة كتفيها علامة جهل وردت ببساطة
معرفش..هي مش هنا بس عمو إلياس وطنط ميرال في المطبخ.
انعقد حاجباه وهو يرمق غرام
إلياس..في المطبخ دا شكله بيعمل طبق اليوم.
قهقهت غرام بخفة وهي تتبعه إلى الداخل.
في المطبخ قبل قليل..
كان يقف بجوار ميرال وهي منشغلة بتزيين الكعكة..أشارت له بحركة سريعة
حط شوية فاكهة هنا.
مد يده بتكاسل وألقى بضع حبات كريز على السطح وهو يتذمر
أنا زهقت..اللي يشوفك يقول ماسكة عليا ذلة.
ابتسمت ميرال برقة وهي تصلح توزيع الكريز
إلياس..حط الفراولة ياحبيبي ماتتكلمش كتيرقولت لازم تشارك ومن غير اعتراض.
ألقى الطبق الذي يحمله پعنف على الطاولة وقال بصوت يقطر ڠضبا
خدي يابتحطي اللي إنتي عايزاه هو علشان وافقت تسوقي العبط
شهقت ميرال بخفة وهي ترد بسخرية متوترة
أسوق العبط دا إلياس بيقول ملافظ سوقية ياااا بيئة
مكتوم..همس بصوت حاد
اتعلمته في الحارة اللي جبتك منها ..عايز أنزل ألاقي العك دا كله نضفمش عاملة شاطرة وخرجتي الكل من المطبخ.
أشار إلى خصلاتها المرفوعة للأعلى وقال ساخرا
والأريل اللي فوق دا..نزليه وظبطي البلياتشو ياست فكهات.
ضغطت ميرال بقوة على قدميه تحت الطاولة فارتد للخلف مټألما..ردت بصرامة وهي تشير إلى الكعكة
الكيك خلصت وإنت اللي هتزينها من غير ولا كلمة اعتراض..سمعتني ولا لأ
ضيق عينيه وهو يحدق بها بصمت لاذع ونظراته تنذر بشيء لم ترد له أن يخرج للعلن..أدركت مايفكر فيه فانتفضت واقفة أمام قالب الكيك كحاجز وحاولت التخفيف من حدة غضبه
اطلع خد شاور ياحبيبي دا حتى ريحتك تشوكليت ياحرام.
رفع حاجبه متهكما
إنت بتقول إيه!.
قاطعهم دخول أرسلان فجأة بصوته الجهوري
ياإلياس..جهزت الغدا ولا لسه
تراجع إلياس خطوة والتقط حجاب ميرال من على الكرسي ثم وضعه على رأسها
غطي..الغبي بيدخل من غير مايخبط.
تصلبت ملامح أرسلان ارتسمت على وجهه سخرية لاذعة
آه..الحق عليا ماخبطش على طمطماية ولا قرن فلفل..أنا داخل مطبخ أمي ..اتلم بقى ليك بيت مش الحب مولع في غلة أبوك.
قهقهت ميرال بخجل من تلميحاته
غلة أبوك والمحروس كان شغال إيه.
كنت شغال تمرجي. 
تمرجي ودا بيعمل إيه. 
هو قالي كدا مش كدا ياعمو. 
عمى الدبة الخارسة يابن إلياس. 
ضيق يوسف عينيه 
يعني إيه..
أشار إلياس للجميع بمغادرة المطبخ
ياله كلكم برة دا مطبخ مش ملعب كرة.
انحنى أرسلان يتكئ على كفيه 
والله تصدق كنت مفكره 
جذب يوسف زجاجة المياه
أنا كنت جاي آخد مية يابابا إحنا في الجروند..قاطعه أرسلان 
اجهز علشان ناوي أفوز عليك يالا إنت وأبوك..تحرك يوسف دون حديث بينما
ألقى إلياس الكريزة عليه وهو يتمتم بضيق
يلا برة.
ضيق عينيه يتفحص قالب الكيك الموضوع أمامه ثم قال بنبرة هادئة
تسلم إيدك ياميرو شكلها حلو وأكيد طعمها كمانبس ليه ماجبتيش جاهز
ابتسمت ميرال وهي تواصل تزيين القالب
ميرسي ياأرسلان أنا طول عمري بعملها بإيدي مابحبش أجيبها من برة.
تدخلت غرام مقاطعة حديثه
ميرو شطورة على فكرة هي أه مابتطبخش بس عندها نفس حلو أوي.
ماتوقعتش الصراحة إنك بتوقفي في المطبخ زي غرام.
رفع إلياس حاجبه ساخرا على حديث أرسلان ثم الټفت إليها
ميرسي ياأرسلان بتحسسيني إنه جايبلك سوليتير.
اڼفجر أرسلان بالضحك ثم جذب غرام قائلا
تعالي ياروحي نمشي أصله بيستهبل وأنا مابحبش كدا.
تمتم إلياس بامتعاض
غبي.
رد أرسلان بسرعة وهو يبتسم
وأخوه أغبى منه متنكرش.
ضحكت ميرال على مناوشتهما وهي تضع اللمسات الأخيرة للكيك
طيب إيه رأيك
اقترب إلياس منها يرمقها طويلا ثم قال
شايف الضحكة دي من الودن دي للودن دي.
نظرت إليه ومازالت تواصل عملها
ودا إيه يعني مش معقول تكون غيرة أصلك مش وش غيرة.
تأملها للحظة صامتا فارتبكت ونزلت ببصرها لتضع آخر قطعة فاكهة
مش لايق عليك دور الغيرة همشيها متحكم..قالتها ورفعت نظرها إليه وتابعت
إلياس غير أي شخص يعني حاجة خاصة مينفعش يتقارن بالعادي ودا مش عيب ياحبيبي..شخصيتك كدا يعني مش لايق عليك موضوع الغيرة 
دا..
ظل يستمع إلى كلامها ثم انسحب فجأة من المطبخ دون كلمة..عقدت حاجبيها بدهشة وهمست
معقول يكون زعل! أنا كنت بس بنكشه..
لملمت الأشياء المبعثرة ثم تحركت للخارج تسمح للخدم بالدخول إلى المطبخ ثم صعدت إلى غرفة غادة أولا..
وجدتها مازالت تغط في نوم عميق 
دودوي حبيبي..ياله ياقلبي العشا أذنت قومي
صلي الوقت اللي طلبته من عمو مصطفى خلص عايزين نخلص قبل ماماما تيجي. 
فتحت عيناها بتململ رفعت ميرال خصلاتها 
ياله بقى ياكسولة.
الساعة كام. 
تسعة ياأستاذة..ياله قومي بسرعة. 
اعتدلت تجمع خصلاتها وأومأت برأسها 
حاضر..
خرجت ميرال واتجهت إلى غرفة إسلام..طرقت الباب ثم دلفت بعد سماح ملك بالدخول 
مساء الورد ياقمراية.
مساء الحب ياميرو.
اقتربت ميرال منها ثم قالت 
إسلام لسة مرجعش
ردت قائلة
زمانه على وصول هو راح خطوبة واحد زميله. 
طيب اجهزي قبل ماماما ترجع ياله هروح أجهز أنا كمان. 
تمام..قالتها ملك وتراجعت إلى الفراش وأمسكت هاتفها تهاتفه للمرة التي لا تعلم عددها ولكن دون رد.
دخلت ميرال الغرفة بهدوء التقطت أذنها صوت المياه يتساقط بالحمام.. نزعت جلبابها بخفة ثم اتجهت إلى غرفة الملابس تبحث عما ترتديه توقفت فجأة وارتسمت على ثغرها ابتسامة خفيفة لتغير وجهتها 
فتحت الباب بتمهل دلفت إلى الداخل فوقع بصرها عليه واقفا 
يعني إنت غيران فعلا
أجابها بثبات وعيناه تتوهجان بالحب 
بعد فترة عادت فريدة بصحبة مصطفى تتأمل الفيلا بارتباك وهي تهمس
هي الفيلا ضلمة كدا ليه يامصطفى
ابتسم مردفا
يمكن يكون فيه عطل في الإضاءة أو حاجة بسيطة.
لم تكد تخطو خطوتين حتى فجأة تلألأت السماء بألوان الألعاب الڼارية تزامنا مع انبثاق الأضواء من كل ركن بالفيلا..تجمدت في مكانها تتابع المشهد بذهول مع أصوات الجميع يرتفع