رواية جديدة شظايا قلوب بقلم سيلا


بص في عيوني وقولي إنك مغلطتش.
تردد لوهلة ثم عض شفتيه بقوة مجبرا نفسه على السير حتى وقف أمام والده مباشرة نظر إليه بعينين تضجان بالتحدي رغم رعشة خفية في أطرافه ثم قال بصوت ثابت لكنه يحمل ارتجافا طفيفا
أنا مغلطتش يادادي.
وكأن نطقه لتلك الكلمة كانت القشة التي قصمت ظهره جز إلياس على أسنانه واشتدت قبضته حول ذراعه أردف بزئير غاضب
من إمتى وإنت بتقول دادي دي
أخفض عينيه للحظة قبل أن يهمس سريعا كأنه يصلح خطأه دون اقتناع
سوري..بابي.
هنا اڼفجر إلياس ڠضبا ثم الټفت إلى ميرال پغضب يشير إلى ابنه باشمئزاز
إنتي بتربي ولد ولا بنت مين دا إنتي بوظتي الولد 
رفعت حاجبها بسخرية خفيفة كأنها تعودت فلم تحرك شفتيها بحرف.. لكنه لم يكن ليقبل صمتها استدار إليها بجسده بالكامل عيناه تضيقان في شك
مابترديش ليه
بهدوء تقدمت حتى باتت قريبة منه ثم التفتت إلى يوسف تحدثه بنبرة هادئة لكنها تحمل في طياتها أمرا خفيا
يوسف اعتذر من بابا وقوله ليه عملت كده.
ضيق عينيه بحدة مرددا بسخرية 
لا والله
رفعت حاجبها
آه والله ممكن نتكلم بعدين مش قدام الولد.
تقدم يوسف خطوة نظر مباشرة إلى والده ثم قال بصوت ثابت رغم دقات قلبه المتسارعة
لو حضرتك قابل إن بنت عمي تلبس بالطريقة دي أنا مش موافق..وقلت كده لعمو أنا مش موافق إنها تتدرب باليه.
اتسعت عينا والده وكأن الكلمات صڤعة غير متوقعة..رمقه بنظرة باردة قبل أن يقول بسخرية لاذعة
نعم ياأخويا! وإنت مين عشان تتدخل في حياة بنت عمك
ثبتت قدماه على الأرض عيناه تشتعلان بإصرار ونطق 
حضرتك جاوبت على نفسك يابابا..أنا ابن عمها وحضرتك علمتني إن الراجل الصح بيغير على أهل بيته.. وأنا طول ماهي كده مش هحترمها وهعمل فيها أكتر من اللي عملته النهاردة.
الټفت إلياس إلى ميرال يشير إلى ابنه خرج صوته مشدودا كوتر على وشك الانقطاع
الواد ده بيقول إيه
تنهدت ميرال بصمت لكنها لم تقل شيئا وكأنها تعرف أن النقاش الآن لن يؤدي إلى نتيجة.
أما يوسف فقد انحنى لوالده بحركة أشعلت نيران ڠضب إلياس ليردف بنبرة هادئة رغم عينيه المتحدية
على السمع والطاعة إلياس باشا..قالها واستدار قائلا
bonne nuit père
ليلة سعيدة بابا..قالها وتحرك للأعلى وكأنه لم يقل شيئا ليلتفت الآخر إلى ميرال 
دا شهر اللي بعدته أومال لو بعدت أكتر..ألقت حقيبتها على المقعد واقتربت منه 
مستغرب ليه..ابنك وشبهك ياحبيبي وأنا متأكدة لو إنت شايف كلامه غلط مكنتش سبته يطلع عادي كدا هو أنا كنت متحملة واحد لما يبقوا اتنين..والله العظيم المفروض يبقالي تمثال في ميادين القاهرة يالهوي الواد وأبوه. 
خطا متحركا بخطا سلحفية وعيناه ترسمها يشير إلى نفسه
مش عارف ليه شامم ريحة تريقة في كلامك أبوه مش عاجبك أفلتت ضحكة رغما عنها تهز رأسها وأردفت
شامم لا والله كدا كتير لا أنا كدا اطمنت على مستقبلي
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
الوداع لا يكتب إلا على من أسرته العيون
أما من أحب بروحه وقلبه فلا انفصال بينه وبين محبوبه.
فالعاشق لا يسكن قلبه إلا إذا انعكس عليه وله الآخر
والحب حين يشع نوره في قلب ما
فذاك صدى من قلب آخر يبادله العاطفة في الخفاء.
جلال الدين 
بغرفة يوسف.. 
ظل يدور حول نفسه يمسح على رأسه پغضب يريد أن يقتلع شعره استمع إلى طرق على باب غرفته ثم دخول شمس..توقفت تراقب حالته بصمت موجع للحظات ثم أردفت
_ يوسف أنا زعلانة منك..حدجها بنظرة ثابتة تحدثت
ليه زعلت ضي إنت وحش عيطت كتير.
_ شمس روحي على أوضتك أنا مصدع.. 
طالعته بنظرة حزينة ثم قالت
_ هتزعقلي أنا كمان أنا زعلانة منك.. قالتها وتحركت مغادرة..
تأفف بضجر أنفاسه تسارعت بقوة حتى شعر بوقوف نبضه مما جعله يفتح باب الغرفة ويتحرك للخارج.
بمنزل أرسلان.. 
دثرتها غرام جيدا وتحركت مغادرة وجدت أرسلان يقف بالشرفة ينظر بشرود.. ربتت على كتفه ثم توقفت بجواره
_ متزعلش من يوسف هو عنده حق ودا اللي حاولت أفهمه لك البنت كبرت وإنت شوفت دا بعيونك. 
استدار إليها 
_ إنتي عارفة أنا كنت رافض بس هي صعبت عليا محبتش أكسر فرحتها غير إنها وعدتني هتكون آخر مرة هي كانت عايزة تثبت لنفسها إنها تقدر تعمل حاجة بتحبها وتنجح مشفتيش فرحتها كانت إزاي..
_فاهمة قصدك ياأرسلان بس البنت مبقتش صغيرة وهي مش فاهمة حاجة. 
_ حبيبتي فيه حاجات لازم تخلي الولاد هم بنفسهم يكتشفوا إنهم غلط أما لو عاندتي عقلها مش هيفهم غير إنك بتحجري عليها وبتخنقيها علشان كدا أنا سبتها براحتها وماردتش أمنعها ممكن أكون غلط بس النتيجة اللي كنت منتظرها حصلت وأنا متاكد بعد النهاردة هتنسى موضوع البالية دا خالص.
ضيقت عيناها بتساؤل
_ إنت قصدك إيه مش فاهمة.
نظر أمامه وأردف
_بكرة تفهمي أقصد إيه. 
_أوعى يكون فهمت صح.
تنهد ولم يرد توقفت تنظر إليه بذهول
_ معقول إنت اتفقت مع يوسف!.. قاطعهم صوت يوسف وبلال بالخارج..
نهض واتجه اليهما..دلف يوسف للداخل وجد أرسلان واقفا متخصرا..
اقترب منه بخجل
_ أنا آسف مكنش قصدي أزعق وألغي وجود حضرتك أنا مكنتش فاهم كلام حضرتك لما قولتلي لو شوفت بنت عمك بتعمل غلط هيكون ردك إيه متوقعتش الغلط يكون في كدا.
هز أرسلان رأسه وأردف 
_أنا زعلان وزعلان أوي طريقتك غير لائقة بتربيتك طيب مابلال كان معترض هل عمل اللي إنت عملته..ولا قبل مانغضب ونسمع الناس صوتنا نفكر بعقلنا إزاي نتعامل مع الموقف.
تحرك بلال الى جانب والده
_ ضي كانت مصممة على الباليه ماما حاولت تقنعها تغير رأيها وأنا كمان بس هي افتكرت إننا بنمنعها علشان ماتبقاش زي صاحبتها..
بابا ساعتها طلب مني أسكت وما أجادلش لأنها ماكانتش مقتنعة بكلامنا..نظر الى والده وتابع حديثه
علشان كده..أنا ماقلتلكش الحقيقة عن موضوع الحفلة وقلتلك إنها حفلة لتقديم الشعر..ماكنتش متأكد من رد فعلك وخفت تزيد في عنادها خصوصا إنها رافضة تسمع مني أصلا..
كنا عايزنها هي اللي تبعد بنفسها.
توقف لحظة وأردف بنبرة مهتزة وهو ينظر في الأرض
_ آسف ياعمو..عارف إني غلطت بس بالله ماتزعلش مني.
باليوم التالي
خرجت غادة من عملها واتجهت مباشرة إلى شقة طارق بعدما علمت بعودته من الخارج..توقفت سيارتها أسفل المنزل القديم الذي كان يقطن فيه قبل انتقاله إلى كمبوند آل الشافعي..ترجلت بخطوات مترددة التفتت نحو مالك الذي كان يجلس خلف المقود
عشر دقايق ومش هتأخر..متبعدش.
لم يرفع عينيه

إليها اكتفى بفتح هاتفه يتصفحه ببرود..صعدت درجات المنزل وضغطت على الجرس عدة مرات حتى فتح الباب.
_ عامل إيه ياطارق بتصل بيك وتليفونك مقفول عايزة أتكلم معاك.. هستناك في العربية لازم نتكلم.
لم تكمل جملتها ليقاطعهما صوت أنثوي من الداخل
_البيتزا وصلت ياطاروقة.
_ حبيبي مش قولت دا بتاع الدليفري
شعرت غادة أن الأرض تميد تحت قدميها وأن روحها تنفصل عن جسدها..لحظة ممېتة كأن صدرها ينشق بشهقات لم تخرج..تجمعت الدموع في عينيها ثم رفعت بصرها إليه بصوت مخټنق
_ ليه بالسرعة دي هو أنا كنت غلط يعني كلامهم طلع صح!.
حاوطها بنظرات اشتياق تنبثق من عينيه 
انتي عايزة ايه ياغادة احنا مش هننفع لبعض ودي حياتي من قبل مااعرفك حاولت اغير من نفسي بس معرفتش
هنا اڼهارت دموعها انسابت بغزارة حتى حجبت الرؤية عنها استدارت سريعا تخطو بخطوات واسعة متعثرة كأنها تهرب من خنجر انغرس في صدرها..وجهها غمرته الدموع ولم تعد ترى الطريق أمامها سوى بعينين غارقتين .. استقلت السيارة بجسد يرتجف بشهقاته
_ امشي يامالك بسرعة.
رفع عيناه في المرآة ينظر إليها بتفحص بعدما استمع إلى صوتها الباكي الټفت إليها سريعا 
فيه إيه إيه اللي حصل. 
صاحت فيه پغضب بعدما رأت قدوم طارق 
_ بقولك امشي مابتفهمش.
قاد السيارة بصمت..دون أن ينطق بحرف واحد.
بعد فترة توقف أمام النيل استدار برأسه نحوها بصوت منخفض
_ لو حابة تقعدي شوية هنا.
رفعت عينيها الغارقتين بالدموع تحدق فيه بصمت مثقل قبل أن تلتفت لتفتح باب السيارة بيد مرتعشة وترجلت منها..بدأت تخطو خطوات متعثرة كالتائهة وسط دوامة من الألم ثم توقفت فجأة تسمح لقلبها أن ينفجر..اڼفجرت بنشيج مرتفع يهز سكونها الممېت حتى فقدت توازنها وسقطت على ركبتيها تبكي بلا توقف.
أغلق هاتفه سريعا بعدما أنهى حديثه مع إلياس ثم ترجل من السيارة بخطوات مسرعة بعدما وجد حالتها مشيرا لسيارة الأمن الأخرى بالابتعاد عن المكان كأنه أراد أن يترك لها مساحة للاڼهيار بعيدا عن العيون.. اقترب منها يساعدها على الجلوس عيناه تلتقطان كل دمعة تهوي من مقلتيها وقلبه ينفطر رغم صمته.
لم يقاطع بكاءها..ابتعد عنها بضع خطوات يتظاهر بأنه يمنحها حريتها لكن عينيه المرهقتين تتجولان بين الأفق وبين ملامحها ينظر بالأجواء بحذر رجل أمني ونظرات عاشق تتكسر روحه لرؤيتها في هذا الحال.
ظلت لفترة ليست بالقليلة تبكي حتى ضاع صوتها هنا انتصر القلب ليقترب منها جلس على الأرض قبالتها غير آبه بملابسه الرسمية .
همس بصوت مبحوح مرتجف رغم محاولته الثبات
_ لازم نرجع على البيت الوقت اتأخر..
قالها وتحرك الى السيارة ..ساعدها بالصعود ثم استدار إلى القيادة..
بعد دقائق رفع هاتفه وهاتف إلياس 
_هنروح عند إلياس باشا ودا الأفضل. 
لم ترد عليه ظلت تنظر للخارج بصمت موجع بعد قليل وصلت إلى منزل إلياس الذي كان بانتظارها اقترب من السيارة وساعدها بالنزول 
_ مالك شوف أرسلان محتاج إيه وإن شاءلله من بكرة سلم محمود فريق الأمن وإنت ارجع الشركة وشوف المطلوب.
تحت أمرك ياباشا. واستدار مغادرا..
بمنزل يزن.. 
جلس بجوار نجله ينهي معه واجباته استمع الى رنين هاتفه فتح الهاتف 
زيزو حبيبي. 
رد على الجانب الآخر 
عامل إيه ياأبيه وحشتني.
_أنا كويس حبيبي أخبارك إيه وإيمان وكريم عاملين إيه.
كلنا كويسين الحمدلله أبيه كريم اتعين بالجامعة أستاذ مساعد. 
أوووه مبروك..وإيمان عاملة إيه ويزن الصغير.
حلوين كلنا الحمدلله إن شاءلله هننزل إجازة آخر العام.
ترجعوا بالسلامة سلملي على إيمان وكريم.
قالها بدخول رحيل
_ العشا جاهز..الټفت إلى آسر
خلصت حبيبي. 
أومأ وهو يمد يده إلى والده بدفتره
_ شوف كدا حضرتك أنا حليت زي ماحضرتك شرحت ودا تعبير عن الظلم شوفه كدا.
رفع دفتره للحظات ثم رفع عيناه إلى زوجته
_ دي ماما تشوفها بقى.
أمسكت الدفتر وبدأت تقرأ مادونه نجلها..لاحت ابتسامة على وجهها قائلة بفخر
_ ابنك مستقبله وكيل نيابة إن شاء الله..لا دا تعبيره مرافعة بامتياز لتقرأ بصوت مرتفع
قالوا قديما العدل أساس الملك فحين يغيب العدل ينهار كل شيء ولو بدا شامخا للحظة..والظلم وإن طال لا يملك الخلود..لأنه يزرع شوكا في الطريق يعود لېمزق من غرسه..
الظلم ياصديقتي هو سواد يتسرب إلى الأرواح قبل العيون يسرق منها طمأنينتها ويتركها هائمة بين أوجاع لا ترى وجراح لا تضمد..هو أن يسلب منك الحق وأنت تعلم أنك على بينة 
فاعلم ياقارئي
دعوة المظلوم لا تحتاج إلى وسيط ولا حاجزا بينها وبين الله فهي تصعد مباشرة إلى السماء محمولة بدموع المقهور وأنين القلوب.
ولا تنسى ياصديقي قول الله تعالى
ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ۚ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار
وكذلك قول سيد الخلق حين قال
اتقوا الظلم