رواية جديدة شظايا قلوب بقلم سيلا


برأسه وتطلع إليها بصمت سحبت المقعد وجلست بجواره 
_ مش هقولك مالك بس حالتك دي بتوجعني معرفش إيه اللي حصل لدا كله إيه رأيك تاخد يومين إجازة ونسافر أي مكان.
هز رأسه بالرفض ثم انحنى يرفع قهوته ارتشف بعضا منها ثم قال
_ إيه رأيك حمزة يكمل تعليمه في أمريكا أنا مش عايزه هنا. 
_ إزاي يعني ياإسحاق قصدك نسافر.
تنهد وهو يسحب نفسا وقال
_ إنتي والولاد بس أنا مينفعش إنتي ناسية أنا شغال إيه حقيقي مش عايز الولاد يكملوا تعليهم هنا.
_ بس دا مكنش رأيك في الأول. 
اجابها بنبرة ثقيلة
غيرت رأيي يادينا وبنتناقش لو اقتنعتي اهتم لو مش مقتنعة يبقى انسي إني قولت لك حاجة.
تأملت ملامحه الحزينة قائلة
_ حاضر لو إنت عايز كدا أكيد مش هعترض لأنك مستحيل تختار إلا الأصلح للولاد. 
أغمض عيناه يمنع دموعه رغم المكان الفسيح الذي يجلس به إلا أنه يشعر بأنه داخل قبر..أدارت وجهه
_ مش هتقولي مالك وإيه اللي حصل عند فاروق خلاك تبقى كدا. 
_ مفيش أنا مخڼوق شوية بفكر أختم شغلي بقى عايز أتنفس شوية.
اعتدلت تنظر إليه بذهول 
_ أكيد بتهزر معقول إسحاق الچارحي اللي روحه في شغله يسيبه!.
مش هسيبه يادينا عايز أرتاح بس قاطعهم وصول عمران 
_ بابي حضرتك فاضي. 
اعتدل مبتعدا عن زوجته ومد يده يسحبه بجواره
_ ولو مش فاضي يابابي إيه اللي حصل. 
_ أنا وحمزة زعلانين من بعض وهو مش عايز يكلمني. 
استمع باهتمام إلى طفله الذي قال
_ أنا مكنش قصدي أفتن عليه لحضرتك هو بيقول عليا فتان. 
مسح على رأس طفله 
_ تمام حبيبي أنا هتكلم معاه وإنت بعد كدا لو سمعت حاجة أو شوفتها بلاش تقولها هو حمزة مش غبي علشان عارف أنا كدا كدا كنت هعرف 
اطلع كمل مذاكرتك وشوية هعدي عليكم أنتوا الاتنين
مضت الأشهر التالية كأنها سنوات ولم يتغير شيء..سوى أن رؤى وجدت نفسها خلف القضبان بعد أن قټلت رانيا.
ذهبت ميرال بصحبة إلياس لرؤيتها..
بعد دقائق دلفت إلى القاعة المخصصة للزيارة المكان ضيق الجدران باهتة مما أشعرها بالاختناق جلست تنتظرها حتى ظهرت أخيرا بخطوات بطيئة ووجه متعب ومع ذلك لم تفقد قسۏتها..توقفت تحدق في ميرال بصمت ساخر للحظات ثم جذبت المقعد وجلست مقابلة لها وانفرجت شفتاها بابتسامة مستفزة
أهلا بمرات إلياس باشا..ياترى جاية ټعيطي ولا جاية تشمتي
رفعت ميرال رأسها تثبت نظراتها فيها وقالت بصوت حاد لكنه مرتجف من الداخل
لا..جاية أقولك اوقفي قدام المراية واكرهي نفسك أوي.
نهضت واقتربت منها خطوة وتمتمت بكلمات شعرت بأنها ټجرح لسانها وهي تخرج
رغم عمايلك معايا كنت معاكي الأخت اللي بجد..بس للأسف دلوقتي مضطرة أعترف
ارتجف صوتها ولمعت عيناها بالدموع ثم اڼفجر بكل ماكتمته
أنا بكرهك بكرهك أوي أوي..ومش زعلانة على إلياس واللي عمله معاكي.. احمدي
ربنا إن ليكي إخوات زي يزن وطارق لكن ماتحمديش إن ليكي أخت زيي..لأني هدعي عليكي في كل صلاة..إن ربنا يقهرك ويوجع قلبك ويعيشك نفس اللي عشته بس الصراحة إنتي عايشة أصعب منه كفاية وجودك في المكان دا.
قالتها وخرجت بخطوات متعثرة والدموع تنحدر على وجنتيها كالسيل..
فتحت باب السيارة وجلست بجوار إلياس وارتفعت شهقاتها
ششش..اهدي دموعك غالية ومفيش حد في الدنيا يستاهلها.
مش قادرة مش قادرة أكرهها ياإلياس قلبي بيرفض..بكرهها بعقلي بس قلبي بيرفض يصدق.
عشان إنتي بريئة أوي ياحبيبتي..عايزك ترجعي تخربشي تاني ياستي على قلبي زي العسل.
أغمضت عينيها تنتحب
صعبانة عليا ياإلياس لسة صغيرة على مرمطة السچن دي..ليه تعمل كده
ميرال..فوقي من هبلك ده..دي قټلت إنسان.
شهقت وأنا..أنا كنت زيها ليه ماقولتش كده
صمت للحظة كأن الكلمات علقت في حلقه ثم تنفس بعمق وأجاب بصوت متهدج
يمكن..علشان إنتي تستاهلي تعيشي أحسن من كده يمكن علشان قوية وبتتحملي..ويمكن علشانك..الحياة اللي ما أقدرش أسمح إنها تضيع.
رفعت عيناها الباكية إليه 
إنت اللي بتقول كدا دقايق وترجع تقولي غبية ومتخلفة مش كدا ياحضرة الظابط. 
لا هقولك بحبك أوي..ثم تراجع وقاد سيارته
عند غادة
خرجت غادة من عملها متعبة دلفت السيارة المخصصة لحمايتها ألقت السلام فرد أحد الحراس
_ أهلا أستاذة غادة هترجعي البيت ولا فيه مشوار
ترددت للحظة ثم سألت فجأة
_ هو مالك مجاش ليه
خفض الحارس رأسه وقال بصوت حزين
والدته عملت حاډثة.
تشنج جسدها كله شعرت برجفة فتمتمت بصوت مرتعش
لا حول ولا قوة إلا بالله..رجعني على البيت.
بعد فترة وصلت إلى منزلها دلفت لتجد فريدة في جلستها المعتادة أمام التلفاز بعينيها الحانيتين جالت غادة بعينيها
فين ملك
في تلك اللحظة خرجت ملك تحمل طبقا من الكيك بين يديها ضحكت وهي تقول
مفاجأة..
قالتها ورفعت الكيك أمامها بفخر طفولي.
ارتسمت ابتسامة على وجه فريدة وأشارت إليها
إيه نجحتي المرة دي
تدور من حول غادة تصفق وتردد بحماس
أحسن ماما في الدنيا..أنا عملت كيك!.
ظلت ترددها حتى امتلأ المكان بضحكات دافئةلكن سرعان ماانطفأت اللحظة حينما فتح الباب ودخل إسلام ألقى السلام..توقفت ملك فجأة عن ضحكها تجمدت كعصفور.
ردت فريدة التحية بينما هوى بجسده بجوارها قائلا بمرح مصطنع
عاملة إيه ياست الكل
أجابت بابتسامة خفيفة
_ والله ياحبيبي مش أنا اللي عاملة..دي مراتك.
رفع عينيه إلى ملك فابتلعت ريقها وتراجعت خطوة وهي ترفع الكيك أمامها
ماما هحطه في المطبخ لو حبيتي تدوقيه.
لكن أوقفها
ماما بس اللي تدوق..طيب جوزك فين ده حتى الأقربون أولى بالمعروف.
ارتعشت أصابع ملك وأخفضت رأسها كمن تلقى صڤعة
قوم ياحبيبي كل الكيك مع مراتك وقولها تسلم إيدك وأنا هخلي البنات في المطبخ يعملولك قهوة ربنا يهديك.
صمت لوهلة ثم تظاهر بالرضوخ..غير أنه قال بعدها
إلياس مرجعش من عند مالك.
هنا رفعت غادة عينيها تستمع إلى باقي حديثه لا تعلم لما كل هذا الاهتمام أكملت فريدة
لا قعد مع مالك صعبان عليه..الأول أخوه ابوه ودلوقتي كان ممكن والدته..مع إنه ساب وظيفته صعبان عليه السواق اللي ماټ
تساءلت فريدة بصوت أقرب للهمس
هو مالك كان شغال مع إلياس ولا إيه
_ أيوه.
قصدك وكانوا عايزين يقتلوا أمه.
هز كتفيه بلامبالاة ظاهرية بينما في عينيه بريقا غامضا وهو يراقب ملك
معرفش إلياس شاكك..لأنه كان من ضمن اللي سافروا مهمة بره..إنتي عارفة ابنك مابيقولش حاجة..يمكن تكون مجرد حاډثة.
ارتجف قلب فريدة من جديد شهقت دون أن تشعر وخرجت من شفتيها الكلمات محملة بالثقل كله
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
بعد فترة صعد الى غرفته
وجدها غارقة بنومها جلس على طرف الفراش يتأملها بعيون عاشقة
.
مضت شهورا أخرى إلى أن عاد مالك إلى عمله مرة أخرى بينما غادر طارق البلاد ليستقر بالخارج بعد لقائه بغادة
ليلا محملا ببرودة الطقس خرجت من عملها بعد قضاء بعض الأعمال الشاقة التي انسجمت بها بعد أن أقسمت لنفسها بعودة شخصية غادة السيوفي مرة أخرى خرجت فوجدت مالك بانتظارها أمام عملها على غير عادته صعدت الى السيارة وابتسامة أنارت وجهها ثم نظرت إليه
_أهلا بحضرة الظابط والله زمان. 
نظر في المرآة ورد وهو يقوم بتشغيل السيارة
_ اهلا استاذة غادة 
والدتك عاملة ايه
كويسة.. اجاب باقتضاب هزت رأسها وقالت كويس انك رجعت شغلك للحراسة الامنية تاني مش لايق عليك الصراحة غيرها
_ لا حمدان فرحه بكرة واتحرج يكلم إلياس فأنا من نفسي اتصرفت مكنش لازم أرجع لإلياس لأني متأكد إنه مش هيعمل اللي عملته. 
أفلتت ضحكة تردد كلماته
_ حلو من نفسك دي وياترى إيه دا غرور دا ولا ثقة زيادة يامالك باشا.
_ ثقة والحمد لله عارف قدر نفسي ياأستاذة هعتبره سؤال. 
سحب نظره بعيدا يتحرك بالسيارة وهو يقول
_ اضحكي على طول مفيش حد يستاهل إننا نزعل عليه ولا حد يخلينا نكتئب لأنه هو الخسران.
بتر ضحكتها استدارت تنظر للخارج وهي تتمتم
_ ساعات الۏجع بيفقدك ثقتك بنفسك.
زم شفتيه واجابها 
_ منكرش دا بس برضو ساعات بيبني منك انسان أقوى علشان على قد الۏجع على قد ماتحاولي تغيري من نفسك لأنك تستاهلي تكوني أحسن وماتتوجعيش تاني.
التفتت مرة أخرى إليه وانبثق السؤال من بين شفتيها دون سيطرة
_ عمرك حبيت قبل كدا.
توقفت السيارة فجأة بصوت صرير حاد اخترق سكون الليل حتى اهتز جسدها بقوة وكادت السيارة تنقلب لولا فراغ الطريق..ارتدت للخلف مصطدمة بالمقعد وأنفاسها تعالت كأن قلبها سيقفز من بين أضلاعها.
اټجننت إيه اللي عملته دا..مش قد السواقة متسوقش!.
صړخت بها دون وعي وارتجاف صوتها ڤضح رعبها.
لم يلتفت فقط ضغط على المقود بعصبية حتى برزت عروق يده ثم تمتم ببرود متكلف
آسف... قالها بنبرة رسمية
وقاد السيارة من جديد لكن عينيه كانتا غائبتين وصدره يعلو ويهبط كأن الألم يعصر قلبه من الداخل..شعرت غادة بمرارة رد فعلها ابتلعت ريقها وبدا الغباء واضحا في إحساسها بالذنب.. ظلت صامتة دقائق تراقب ملامح وجهه التي تحولت إلى كتلة من الصمت الموجوع.
أخيرا حمحمت وهي تطرق بخجل
_أنا..آسفة مكنش قصدي أضايقك.
ظل صامتا لم يبد منه أي تجاوب وكأن كلماتها اصطدمت بجدار سميك لا ينكسر.
وصلت السيارة أمام منزلها..توقفت لكنها لم تتحرك..بقيت جالسة بمكانها عيناها مترددة تبحث عنه..همست بنبرة أكثر رجاء
_ مالك..أنا بجد آسفة.
الټفت إليها ببطء عيناه غامقتان مليئة بالألم
_ أستاذة غادة..ماترفعيش التكليف بينا..قولي أستاذ مالك أو حضرة الظابط.
ترك مسافة متعمدة بين كل كلمة وكلمة ثم أضاف بصرامة باردة
اتفضلي انزلي..وجودك في العربية بعد ماوصلنا غلط.
تسمرت ملامحها للحظة ثم ترجلت بصمت أغلقت الباب خلفها برفق وبقي هو في مقعده عيناه معلقتان في الفراغ يضغط على أنفاسه وكأنه يخشى أن ينهار من آثار الماضي..
شهور خلف شهور إلى أن تقرب الاثنان من بعضهما ليضمد كلا منهما الآخر من آثار الماضي الكئيب..
ذات ليلة هادئة بعد اتصاله بالياس بلا إيضاح عما يريد وصل مالك إلى فيلا السيوفي..جلس إلياس مع والده يقص مادار
_ طيب..مقالش عايز مني إيه
رد عليه والده بفضول خفيف
والله يابابا معرفش..هو قال عايز ييجي لمصطفى باشا يشرب فنجان قهوة وطلب مني أكون موجود.
مرت لحظات قليلة قبل أن يفتح الباب ويطل مالك استقبل ورحب به ببروتوكول عائلي دافئ ثم حمحم وكأنه يجمع شجاعته في صدره قبل أن ينطق
سيادة اللوا..حضرتك أستاذي وقدوتي وبين العيلتين صداقة من زمان قبل ۏفاة والدي الله يرحمه..أنا مابعرفش أذوق الكلام ولا ألفاظ المدح بس اللي عايز أقوله أنا معجب جدا بكريمتك الأستادة غادة ومش هنكر إعجابي بيها..علشان كده أنا قدام معاليك هكون سعيد لو حضرتك قبلت أبقى زوج لبنتك..وربنا يعلم..بعد موافقتك هكون الزوج الصالح اللي يحافظ عليها السكن الهادي والروح الطيبة ومتقي ربنا.
صمت طويل تخلله زفير من أركان الغرفة..كانت نظرات مصطفى تخترق مالك كما لو كانت تقيسه ميزانا صامتا ثم انطلق صوته هادئا لكنه مباشر
_غادة تعرف
_ لا..ماتعرفش أي حاجة ولا حتى عن مشاعري.
الټفت مصطفى إلى إلياس فابتسم الأخير ابتسامة فهم واطمئنان ثم عاد بنظره إلى مالك وأكمل بحزم
أنا واثق في أخلاقك ولو في يوم شكيت فيك مكنتش أمنتك على بيتنا.. بس خلينا نمشي على الأصول لازم ناخد رأيها ورأي أمها ولازم نسمع أخوها..أنا عن نفسي قدام بابا بقولك موافق.
في قلب تلك الموافقة حفظ شرط واحد