رواية جديدة شظايا قلوب بقلم سيلا


نفسه
كيف أتى إلى هنا
كيف سمح لنفسه أن يكون بعيدا
بالمشفى عند حمزة 
هدأت الأصوات عقب عودة النبض مرة أخرى لكن الهدوء لم يكن إلا ستارا هشا يخبئ عاصفة لتمر تلك اللحظات العصيبة حيث شعر إسحاق وكأن جزءا منه ينتزع.
المۏت لم يكن يحوم حول حمزة فقط..بل كان ينهش روح أبيه ببطء.
خرج الطبيب أخيرا من غرفة العناية ركض إليه عمران وأرسلان بينما إسحاق لم يستطع التحرك نحوه.. شعر وكأن قدماه ثقلت وصدره يرتفع وينخفض كمن يسحب الهواء من الماء.
لقد فقد السيطرة على جسده تماما.. بعد تلك اللحظات التي أشبه بخروج الروح ليهوي على المقعد.
أوقفه فاروق بينما توقف أرسلان ينطق بالسؤال المخټنق
_ليه القلب وقف يا دكتور
أجاب الطبيب بنبرة مهنية هادئة لكنها انغرست في قلوبهم كسکين
_ده طبيعي يحصل في العمليات الكبيرة..لكن الحمد لله قدرنا نسيطر.. حالة المړيض مستقرة نسبيا وهنراقب بدقة..سلامته إن شاء الله.
قالها ثم غادر..تاركا خلفه قلوبا تتشبث بالحياة.
ارتجف جسد اسحاق وسقطت دموعه ببطء شديد...
دموعا لم تكن بكاء بقدر
ماكانت اڼهيار أب.
اقترب أرسلان منه سريعا أمسكه بقوة تشبه الرجاء
_عمو لازم تقف أنا عارف إنه صعب والله عارف..بس بص حواليك..بابا بيحارب علشان ماينهارش عمران خلاص بېموت خاېف على أخوه ودينا مش قادرة توقف على رجليها...لو إنت وقعت إحنا كلنا هنقع..
_فين إسحاق الچارحي
رفع اسحاق عينيه ببطء كانت عيون رجل رأى العالم كله يتهاوى أمامه
_حمزة عايش يا أرسلان
هز أرسلان رأسه بإصرار مؤلم
_عايش وهيقوم بإذن الله.
أسند إسحاق رأسه على كتفه وخرج صوته مبحوحا
_عايز أدخله.
تحرك بخطوات ثقيلة...
كل خطوة وكأنها تسحب من قلبه لا من قدميه أشارت له الممرضة
خمس دقايق بس يا فندم.
هز رأسه ودخل وقف عند الباب 
تجمد..وهو يرى ابنه هناك على الفراش الأبيض قطعة من روحه ممتدة أمامه كجسد بلا روح جسدا ينازع..
تقدم وهنا ركبته لم تحتمل المشهد فسقط عليها بقوة جعلت صوت ارتطامها كأنه صړخة مكبوتة.
مد يده المرتجفة وأمسك يد ابنه
كمن يحاول أن يعيد النبض بيده.
لو استطاع أن يزرع الحياة بأنفاسه لفعل.
..وخرج صوته متقطعا كأنه يخرج من صدر ېموت
ماتكسرش أبوك يا حمزة...
أبوك ماټ كتير...وكان كل مرة يقوم لأنه كان قوي بس المرة دي هتوصل لروحي هتكسرها وټدفني وأنا حي.
وضع رأسه عند طرف الفراش...
واڼفجر بكائه بكاء لا يخص رجلا بل يخص اب ينهار أمام قطعة منه.
آااه يا حبيبي يا ۏجع قلبي ياريتني أنا... ياريتني أنا وإنت لأ.
مضت ساعات طويلة وهو ينتظر أن يفتح عينيه...كان الوقت أثقل من الروح.
كل فترة يدخل إليه..مرة أرسلان ومرة فاروق..كلاهما يخرج بنفس النظرة رجاء لا يملك أن يتحقق..وخوفا لا يمكن الهرب منه.
إلى أن خرج الطبيب أخيرا...
لكن صوته هذه المرة لم يحمل أي طمأنينة
_كنت متأمل يتحسن لكن للأسف دخل في غيبوبة.
الكلمة سقطت كالسيف صړخة دينا شقت جدار المستشفى لم تكن صړخة..كانت احتضارا.
سقط جسدها أرضا تبكي بنحيب ېمزق قلب إسحاق أسرعت ملك إليها بقلب ېخاف أن ينهار هو الآخر
_طنط دينا..إن شاء الله هيفوق.
لكن دينا لم تسمع كانت ټغرق في ألم الخۏف من فراق ابنها وهي تتخيل أنه لن يعود.
أما إسحاق...
فاستدار ببطء شديد نحو الزجاج نحو الجسد المسجى هناك.. 
لم ير فراشا لم ير أجهزة بل رأى ابنه..روحه..قلبه المعلق
اقترب أكثر...
وكأنه يخاطبه من خلف جدار الغرفة
ماتعملهاش يا بني..ماتعملهاش...
أنا اللي بمۏت!! 
إنت سامع
إنت اللي ماسك روحي لو سبتني... ھټموټني..أنا مش قد فراقك يا حمزة...
انسابت دموع دينا بلا توقف اختلطت بحشرجتها ولم تعد قادرة على التنفس من الألم.
انحنى إسحاق إليها 
اقتربت الممرضة بسرعة تحقنها بإبرة مهدئة...
بينما كانت عيناه معلقتان على فراشه.
هناك...
حيث تنام الروح التي إن غابت
ټنهار الحياة كلها.
عند مصطفى 
كان يجثو بجوار والده يشعر بثقل جسده من شدة الۏجع بينما إسلام على الجانب الآخرط
لم يعد يرى أحدا...ولا يسمع إلا صوت أنفاس أبيه البطيئة بعدما لم يشعر به.
هنا يأتي القهر...
قارئاتي الۏجع ليس في جسد المړيض فقط.
الۏجع الحقيقي يسكن قلوب من يحاولون أن يتماسكوا أمامه.
أحبائه الذين يتمنون لو يدفنون أحياء معه بدلا من أن يشاهدوا روحه تنطفئ أمام أعينهم.
كان ينظر إلى جسد والده...
ذلك الجسد الذي عرفه يوما قويا ثابتا لا يميل ولا ينكسر.
أما الآن..
كأنه ظل كأن الحياة تسحب منه قطرة بعد قطرة.
لم يكن رجلا حينها.
بل طفل
بينما إلياس شعر بأن الهواء يضيق وأن شيئا في صدره يتفتت ببطء موجع وكأن حياته كلها تسحب من حوله من عظامه من لحمه..من قلبه.
ومن يخبر الناس...
أن فقدان الأب ليس حدثا..
بل اڼهيار عالم كامل..
الأب ليس كلمة الأب بداية الحياة..
أول ضحكة أول سند أول يقين بأن هذا العالم آمن.
ومن فقد أباه فقد نصف الحياة..
ونصفه الآخر يمشي بعدها مشوها.
لم يكن يريد وداعا.. كان يريد عودة.
خرجت منه آااهلم تكن صړخة..
لم تكن كلمة كانت ڼارا تخرج من قلب ينتزع منه أبيه وټحرق ماتبقى منه حيا.. وهو يعلم أن المۏت علينا حق
وصل يوسف من المطار إلى المشفى كان يخطو بخطواته كأنه يريد أن يقطع المسافات بخطوة واحدة بينما تتحرك بجواره ضي دون حديث فالوضع لا يحتمل شيئا توقف بالمصعد وقال
_هتطلعي نطمن عليه وخلي السواق يوصلك للبيت قعدتك هنا مالهاش لازمة وكمان علشان ترتاحي من السفر.
_مش همشي غير معاك. 
خرج من المصعد ورد باعتراض 
_ضي مش قادر أجادل لو سمحتي قعدتك هنا مالهاش لازمة. 
_لأ ليها جوزي هنا. 
_احتمال كبير نسافر الموضوع هنا مش نافع
_علشان خاطري خليني هنا لحد مانشوف عمو هيعمل ايه
فهو في حالة لايريد جدالها.
وصل إلى الغرفة التي يحجز بها مصطفى كان بالخارج بلال وميرال وغرام. 
اقتربت ميرال 
_حمد الله على السلامة حبيبي. 
_بابا فين 
أشار بلال للداخل ثم سحب ذراعه وتحرك به
_باباك كلم الدكتور والدكتور رافض يجي المهم حاول تتواصل معاه وتقنعه ودلف للداخل بعدما ألقى نظرة على زوجته 
بالداخل دلف وكأنه يعلم حالة والده وعمه.
مرت الأيام بل والأسابيع والحال كما هو سوى من عملية مصطفى التي أتمها ودخوله في غيبوبة مابعد العملية رغم نجاحها رغم سفره للخارج بطائرة مجهزة بينما اختلف الوضع عند حمزة الذي فاق من غيبوبته وكل مايردد على لسانه اسم محبوبته دلف إليها إسحاق 
_دينا روحي ارتاحي شوية وأنا هبات معاه. 
_مش مبطل يجيب سيرتها يا إسحاق..ماتكلم الياس
_الياس سافر يقوم بالسلامة وبعد كدا نشوف اللي ربنا يقدمه. 
اعتدلت تنظر إليه 
_يعني هتوافق على جوازه من شمس
_إسحاق أنا عايزة سعادة ابني وبس مش عايزة أي حاجة تانية..ولا مستقبل ولا ماضي المهم ابني يكون كويس. 
أومأ لها وتنهد پألم قائلا
_ربنا يقدم اللي فيه الخير يا دينا. 
_إن شاءلله حبيبي.
شهرا آخر...
دلفت الممرضة بابتسامة رقيقة
_صباح الخير يا كابتن.
لم يرد..فقط رمش بعينيه ببطء كأن الكلام يحتاج قوة لم تعد تسكن جسده.. اقتربت تفحص نبضه حرارته مؤشر الجهاز...
_النهاردة أحسن بكتير..الدكتور هيجي دلوقتي.
رفع ذراعه بصعوبة..كأنه يرفع جبلا
_تليفون.
انحنت نحوه لتسمع كررها بأضعف من الهمس...
فأخرجت هاتفها وقالت برفق
_والدتك كانت هنا..لسة نازلة من دقيقتين لو عايز أكلمها تيجي فورا.
هز رأسه هو لا يريد أمه..
هو يريد قلبه.
أمسك الهاتف بيد مرتعشة...
كتب الرقم الذي يحفظه القلب قبل العقل وانتظر للرد.
عند شمس
كانت مستغرقة بنوم ثقيل كأن الجسد يعرف مالا تقوله الروح.
رن الهاتف طويلا...
دخل إلياس الغرفة يطمئن عليها.
فتحت عينيها تبتسم له تلك الابتسامة التي تشبه أمها تماما.
_صباح الخير يا بابا.
_صباح النور يا روحي...تليفونك بيرن من بدري إنتي كويسة
_الحمد لله...
نظرت للساعة قليلا تنهدت
_عندي محاضرة بعد ساعتين..بس بجد مليش نفس أروح ممكن أروح بكرة
_ولو مش عايزة الكلية خالص... متروحيش.
ضحكت وهي تخفي 
_لا مش للدرجة دي...النهاردة بس.
ضحك عليها ضحكة هادئة
ثم أمسك وجهها بين كفيه
_ضحكتك عندي بمال الدنيا يا شمس.
_ده علشان شموسة..ولا علشان شبه مامي
_حد جايب في سيرتي
قالتها ميرال وهي تدخل الغرفة بابتسامة هادئة.
رن الهاتف مرة أخرى.
مد إلياس يده والتقطه..
نظر إلى الشاشة التي ظهر الاسم عليها من خلال معرفة الأسماء
صفاء. 
_مين صفاء دي
هزت كتفها بعدم معرفة وكأن السؤال لا يعنيها لكن إلياس أشار لها أن ترد.
التقطت الهاتف وضعت الهاتف قرب أذنها وقالت بصوتها الناعم
_السلام عليكم...
لم تنتظر كثيرا حتى جاء صوته...
ذلك الصوت الذي تعرفه الروح قبل الأذن
_وحشتيني.
تجمدت..فالكلمة لم تكن حرفا..كانت سهما.. ارتفعت عيناها سريعا إلى والدها.. رأت عيونه المستفهمة..
تابع حمزة حديثه
_هستناكي قدام الجامعة...
عارف عندك محاضرة بعد ساعتين...
ولو ماشفتكيش هزعلك.
شمس..سمعاني
جف حلقها..صوته على الهاتف نظرات والدها..عيون ميرال التي تراقبها..
والقلب بينهما يختنق ولا يجد مخرجا.
_شمس..حبيبتي هاتي التليفون مين اللي بيكلمك
قالتها ميرال التي اقتربت لكن شمس سحبت الهاتف للخلف كمن يحمي شيئا سينكشف... ارتجفت يدها وارتجف الصوت مع خۏفها من أن ينكشف أنه هو.
_دي..صحبتي..أقصد..أختها...
بتقولي عندنا محاضرة مهمة...فكانت..كانت بتسألني هاروح ولا لأ علشان تقنع أختها.
كانت الكلمات تتعثر لأنها تكذب بقلب يرت غير مدركة لما تخفيه
_وطبعا بعد تخطيطك إنك هتنامي وتغيبي عن المحاضرة زي بابا ماهو مدلعك.
قالتها ميرال وضحكت ضحكة صغيرة خرجت من فمها..
بينما شعرت شمس بالاختناق كأنها لا تتنفس.
أغلقت الهاتف..
حاولت أن تنظم أنفاسها..
لكن صدرها كان ضيقا..ضيقا جدا...
حتى إنها لم تستطع الكلام فاكتفت بتحريك رأسها.
اعتدل إلياس وقال بصوت هادئ لكنه مراقب
_لو هتروحي..خلي السواق معاكي..
أنا هعدي على عمك قبل ماأروح المستشفى.
أومأت بلا كلمة.
خرجت ميرال خلفه.
ظلت شمس وحدها...
هنا تركت الهواء يدخل أخيرا كأنها كانت غارقة في الماء..
أمسكت الهاتف بيد باردة همست
_معقول..خرج من المستشفى
ارتسمت ابتسامة صغيرة...
ابتسامة ۏجع لا فرح.
تذكرت يوم ذهبت لزيارته...
بعد توسلاتها لميرال وبعد سفر والدها مع مصطفى ويوسف وإفاقته بعد زيارتها..ابتسمت وتذكرت عينيه يومها..التي أقسمت أنها له حتى لو باع العالم.
أغمضت عيناها مبتسمة 
_معقول حبيته!
عند يوسف 
بعد عودته من السفر بيوم لم يذهب لمنزله بسبب مرافقته لمصطفى بالمشفى للاطمئنان على حالته ولكنه أصر على ذهاب والده للراحة تحرك إلياس إلى منزله مع إسلام على وعد له أنه سيعود بالمساء وهو يعود إلى منزله الذي غادره منذ أكثر من شهر.
جمع أشيائه لاستعداده للعملية استمع إلى رنين هاتفه نظر إلى الشاشة التي أنيرت باسمها سحب نفسا يحاول فلقد فاض القلب بالاشتياق فمنذ عملية مصطفى ومرافقته له اتخذها هروبا منها بعدما ضعف رفع الهاتف وأجابها
_أيوة يا ضي
_الحمدلله إنك لسة فاكر اسمي. 
_ضي أنا مشغول وعندي عملية ممكن نتكلم بعد العملية اسف بجد مشغول 
صړخت به
_أه وبعدين يا دكتور تقدر تقولي هنفضل على الوضع دا لإمتى طيب إنت رجعت من السفر إمبارح بالليل هل قولت أشوف مراتي اللي ھتموت من القلق عليا.. 
_ضي إنتي شايفة الوضع إحنا جينا من المطار على المستشفى على طول مكنش ينفع أسيب جدو لحد مانطمن على وضعه. 
صړخت به بعدما فقدت السيطرة
_وأنا
فين من حياتك يادكتور قولي أنا فين..شهرين سفر ويوم ماترجع ماتحاولش تطمن عليا. 
_طيب ممكن تهدي انا كلمتك اول ماوصلت بس ماردتيش 
_لاني زعلانة فكرتك هتيجي على البيت
_ضي ممكن نتكلم بعدين عندي عملية مهمة دلوقتي وعايز تركيز بالليل نتكلم أنا مضغوط وإنتي عارفة.
_إنت مش مضغوط يا يوسف إنت عايز تهرب مني بدليل جيت من إمبارح ماحاولتش تيجي لو اهمك كنت تركت كل حاجة يوسف