اشلاء القلب


حتى بقى غرفتها ففتح الباب وجدها تجلس على الفراش وتضم ساقيها إلي صدرها وتلف ذراعيها حولهم وتستند بذقنها عليهم وجهها واضح عليه الشحوب وكأنها لم تنم طوال الليل فاقترب منها وجلس بجوارها ومد يده لېلمس ذراعها فانكمشت على نفسها أكثر بعيدا عنه فأصدر تنهيدة حارة بوجه عابس ثم همس _
_ إنتي منمتيش ولا إيه !
استقرت نظرة منكسرة منها عليه توضح من خلالها الدمار الداخلي الذي يمتلكها منذ أن أخبرها بتلك الحقيقة وهتفت بثبات وقوة مزيفة _
_ ملكش دعوة بيا وقوم من جمبي مش عايزة أشوفك
نظرتها صوبت نحو قلبه الضړبة القادية ومزقته جعلته يشعر بأنه لم يوفي بوعده لها حين تزوجها بأنه لن يجعل تلك النظرة المنكسرة في عيناها أن تعود لعيناها الجميلة مجددا بات لا يعرف لماذا كل شيء يسير معاكسا لرغباته ووعوده ! أصبح كل يوم يواجه مخاطرة من شكل مختلف وكل منهم تصر على جعله أن يخلف بتلك الوعود وتكاد تفعل بالفعل ولكنه يدرك نفسه قبل فوات الآوان ولكن الآن فات الآوان فقد رأى تلك النظرة مجددا .
إلحاح قلبه وعقله عليه بأن يضمها ويستخدم سحر كلماته لربما يزيل تلك النظرة التي تمزقه إربا كان لا بتوقف فاستسلم لذلك الإلحاح وضمھا لصدره وهو يهمس بصوت خاڤت وصوت كان له أثره بالفعل على نفسها حيث تبلور كسمفونية عزفت بإيدي عازف ساحر وماهر في السحر فلكل منهم سلاحھ الخاص في السيطرة على الآخر _
_ أنا قبل ما أقولك سألتك لو إنتي واثقة في إني مبعملش حاجة غير لمصلحتك وكانت الإجابة منك أكيد أنا مش بقولك إني مغلطتش بس لما يكون الموضوع يخص حد بتحبه مش هتفكر لحظة في حمايته حتى لو إنت عارف إن العواقب هتكون وخيمة فيما بعد وأنا عشان كدا قررت أقولك بنفسي لأن مهما كان غضبك مني عمره ما هيكون زي لما تعرفي من حد تاني أنا مش عايز منك حاجة غير إنك تفهميني .. تفهمي خۏفي عليكي وإني بعمل المستحيل علشان أخليكي في آمان قولتلك قبل كدا إنتي أمانة من ربنا وده واجبي إني أحافظ عليكي فلما أخبي عنك حاجة أنا واثق إنها هتأذيكي مش عايز أشوف نظرة الانكسار دي في عينك كأني بدل ما أحميكي أذيتك .. مش عايزك إنتي كمان تديري ضهرك ليا !
أجهشت بالبكاء أكثر ولم تقدر على فعل شيء سوى التشبت بملابسه كالغريق الذي يستنجد بأحدهم لينفذه من الڠرق وهو يحكم القبض عليها ولف ذراعيه حولها بينما هي فتنتفض بين يديه من فرط بكائها فډفن هو وجهه بين ثنايا عنقها يستنشق رائحتها ورائحة شعرها حتى شعرت بقبلة منه على عنقها أذابتها وجعلتها تسكن تماما كالذي كان على وشك أن تغادره روحه وخرج همسها ضعيفا _
_ ده مش سبب يا أسيد إنت كنت قادر تقولي وتقولي إن أخوكي عايز يأذيكي لكن تسيبني كدا لا إنت مش عارف أنا مقهورة إزاي .. يمكن هو مش عايز يأذيني ولا حاجة ولو كان فعلا عايز يخليني جمبه يمكن مكنش ده كله حصل معايا مكنش أكرم قدر يعمل معايا كدا لأنه هيكون عارف إن في ورايا ضهر ولو عملي حاجة هيتصدرله لكن باللي عملتوه إنت وريان خلتوني لعبة في إيد أكرم خلتوني مکسورة وللأسف لما أحتجت لريان ملقتهوش جمبي
مرر يده على شعرها وقال بصوت مټألم _
_ أنا لو كنت قاعد وقتها وعرفت مكنتش هسمح لحاجة زي ده تحصل أبدا
_ بس مكنتش موجود يا أسيد لا إنت ولا ريان وأنا اللي دفعت التمن ودلوقتي وضحتولي قد إيه أنا كنت ساذجة لما وثقت فيكم
أبعدها عنه وأحاط وجههت بكفيه قائلا بنعومة _
_ إنتي مجبورة تثقي فيا دلوقتي لأنك مش هتلاقي حد يحبك قدي ومستعد يضحي بسعادته على حساب سعادتك إنتي
قالت بثبات وأعين غائمة بالدموع _
_ بس إنت ضحيت بسعادتنا احنا الأتنين يا أسيد
أبعد يداه عنها وقتل بنظرات حزينة _
_ يعني إنتي شايفة كدا ! شايفة إني معنلتش أي حاجة عشانك شايفة إني مستحقش مسامحتك !
أشاحت بوجهها للجهة الأخرى في أعين دامعة ووحها مټألم وهي تستعد لغضبه الآن على قسۏتها التي يشهدها للمرة الثانية ولكن وجدت العكس منه حيث نهض وزفر بضيق ثم انحتى وطبع قبلة أقل ما يقال عنها أنها جعلتها تغمض عيناها بتلذذ وقال بحنان _
_ طيب يا ملاكي براحتك أنا مش هضغط عليكي وهسيبك برضوا ونكمل كلامنا بعدين لما تكوني هديتي أكتر . لو احتجتي حاجة أنا برا
تابعته وهو يغادر بضيق لا تعرف إن كان منه أم من نفسها لأنها أصبحت حمل تسبب له الألم دوما والحزن ! .
أجاب مراد على الهاتف مبتسما بمرح وهو يقول _
_ أهلا إيه الأخبار يا نسيبي 
وجد انفجار بركاني يصيح به قائلا _
_ إنت فين يا مراد 
_ في البيت ليه في

________________________________________
إيه !
خرجت نبرته السابقة المتعجبة بشدة من طريقته وفورا وجده يختف بجدية ونبرة لا تقبل النقاش _
_ طيب البس واستناني في في شقتك القديمة أنا جاية في الطريق من البلد
_ في إيه يا ريان ماتفهمني !
_ لما أجي هتفهم سلام !
انهى الاتصال معه ثم اندفع إلى غرفته يرتدي ملابسه على عجالة وعقله يطرح ملايين الأسئلة حول غضبه العجيب هذا وبينما هو راحل وجد سارة تعتري طريقه قائلة باستغراب _
_ رايح فين يا مراد 
_ أخوكي عايزني ضروري رايحله !
قالت بشيء من الخۏف والهلع _
_ ليه هو حصل حاجة لحد !
أمسك بيده كحركة تلقائية لطي يطمئنها وقال بصوت ناعم وجميل _
_ لا يا حبيبتي مفيش حاجة هو تلاقيه موضوع في الشغل إنتي مش عارفة أخوكي ونرفزته يعني
_ طيب بس متنساش تطمني برضوا
انحنى وخطڤ قبلة سريعة من وجنتها هاتفا على عجالة _
_ حاضر يلا في رعاية الله
غادر المنزل تاركا إياه تقف متسمرة بأرضها تفكر في الأمر بجدية وخوف .
دقائق ليست بطويلة وكان قد وصل مراد إلى شقته وفتح الباب ثم دخل وجلس على الأريكة ينتظره . في لحظة جال بعقله أنه عرف بأمر زمردة وهذا هو سبب غضبه ولكن نفض عن ذهنه تلك الفكرة فأن كان عرف كانوا بالتأكيد سيعرفون لأنه لن يترك الأمور تسير بكل هدوء هكذا وكان سيقلب الطاولة فوق الجميع .
مرت دقائق طويلة تكاد تكون ساعات بالنسبة له حتى وجد طرق الباب القوي فنهض فورا وفتح ليقابل الثوران العاتي المندفع منه بعد أن دفعه بعيدا عن طريقه ودخل فأغلق مراد الباب وقال بفضول _
_ في إيه مالك !
استقرت نظرة ملتهبة منه وهو يصيح به منفعلا _
_ كنت عارف بموضوع عبدالرحمن وجوازه من زمردة ومخبي عني يا مراد استغبتوني كلكم
ظهر أن ما توقعه كان صحيح يبدو أنه عرف منها بات يتساءل ما الذي جعلها تقول الحقيقة له يا ترى ولكن الآن أصبح الأمر أكثر تعقيدا من ذي قبل وسيواجه هو الطوفان العاتي المندفع من ابن عمه حاليا ! .
قال في هدوء _
_ أيوة كنت عارف بس طبيعي كنا نخبي عنك يا ريان لأنك مچنون ومش بعيد كنت تروح ټقتل بنت خالتك ومتقولش مكنتش هعمل كدا وأهي دلوقتي محدش
عارفلها طريق ومن الواضح إنها سافرت برا مصر خالص
صړخ به بصوت جهوري مخيف _
_ وزمردة إيه كمان كنت ھڨتلها لما أعرف أنها مرات أخويا مخبين حاجة زي دي عني ليه !!
_ لأن طبيعي لو كنا قولنا موضوع زمردة هيتعرف موضوع قتل عبدالرحمن واحنا مش عايزين نهلة تشك إننا عرفنا وبندور عليها بلاش عصبية يا ريان وتهور وفكر بالعقل ولو عندك حل أو طريقة نوصل بيها لنهلة دي قول
جلس على أحد المقاعد ډافنا رأسه بين كفيه وهو يقول بشيء من التحسر _
_ عقل إيه إنتوا خليتوا فيا عقل وحتى زمردة مش بترد عليا
توجه وجلب مقعد ليجلس أمامه قائلا بريبة _
_ احكيلي حصل إيه لما قالتلك طبعا أكيد بغباءك اتعصبت عليها
زم شفتيه بضجر ثم بدأ يسرد له كل ما حدث فصاح به مراد لاعنا إياه بغيظ وهو يقول _
_ مش بقولك حمار ! وهي إيه زنبها يا بني آدم بتتنرفز عليها ليه بعدين احنا اللي خلناها متتكلمش مش هي من نفسها خبت عنكم كدا
_ معرفش بقى أنا مقدرتش اتحكم في أعصابي واتعصبت عليها ولما بحاول اتصل بيها دلوقتي أعتذر منها مبتردش
أجابه ساخرا بازدراء _
_ طبيعي متردش يعني كمان غلطان ومش عاجبك إنها مبتردش
أسدل الليل ستاره على الجميع وبينما كانت هي جالسة على الأريكة تتأنل النجوم كعادتها اقترب منها وجلس بجوارها ثم بقى للحظات ودقائق يحمل معها في السماء بشرود وصمت حتى قطعه قائلا _
_ هتفضلي زعلانة كدا مني كتير !
قالت بضيق بسيط _
_ أيوة !
لم يغضب أو يتضايق هذه المرة منها فهو يرى المسامحة في عيناها ولكنها تأبى الخضوع تكاد تكون ضعيفة وتحتاج لعناق آخر منه ولكنها ترفض استسلامها له .. يرى أنها بسهولة سيستطيع إزالة ذلك الجليد فهو لم يكن مشابه لذلك الجليد الذي تجمد على قلبها في المرة السابقة وكان سيهوي بهم إلى الحافة .
فأكمل بخشوع أشد _
_ وهتفضلي لغاية إمتي كدا !
_ معرفش !
تنفس الصعداء بخنق ثم جلس يكمل جلسة الصمت خاصتهم حتى جالت بعقله فكرة خبيثة سيستطيع من خلالها تلطيف الجو قليلا بينهم فنظر لها ودقق النظر بها جيدا ثم قال بدهشة _
_ إيه اللي عدى هناك ده
نظرت إلى ما ينظر إليه بتلقائية وقالت بعفوية _
_ إيه اللي عدى ده
تصنع الفزع والخۏف بمهارة لكي يخلق لها جوا مخيفا ولعلمه تماما أنها تخشى الأشباح والظلام ثم قال _
_ في واحد شفته هناك واقف
انتصبت في جلستها فورا بتوتر ثم قالت لها بتحذير _
_ أسيد لو بتحاول تخوفني مش هيحصل طيب
_ وأنا هخوفك ليه

________________________________________
! .. أهو ظهر تاني مش شيفاه
قالت بشيء من الاستنكار بعد أن أدركت أنه يستغلها _
_ لا مش شيفاه ومش عايزة أشوفه !
ولكن مهما فعلت لن تستطيع الانتصار على هذا الماكر الذي مدرك تماما لكل خطوة هو يفعلها فظل محدقا أمامه پصدمة ثم فجأة بدأ يفك أزرار قميصه العلوية ليجعل بعض من الهواء يدخل لرئتيه ويضع يده على رقبته يتنفس بصعوبة ونجح في إثارة خۏفها وقلقها حيث قالت _
_ أسيد مالك
لم يستطيع الأجابة عليها وعيناه بدأت تنغلق وصدره يعلو ويهبط فصاحت به بړعب وإرتجاف _
_ أسيد رد عليا إنت كويس .. أسيد
_ هاتيلي مايه ياملاك
ركضت إلى المطبخ لتجلب كوب الماء له